بقلم: باحدة عبد الرزاق
في لحظة دقيقة من التحولات الجيوسياسية الإقليمية والدولية، تسجل ملامح تفكك نسق دبلوماسي جزائري دخل مرحلة الانحدار المزمن، بعدما بات عاجزا عن صياغة موقف عقلاني متزن أو التفاعل مع دينامية الواقع كما هو. دبلوماسية الجزائر في عهد عبد المجيد تبون وسعيد شنقريحة، لا تحاكي المنطق ولا تراعي حس التقدير الاستراتيجي، بل تسير بخطى متعثرة على حافة السقوط السياسي والمعنوي، وقد اختارت أن تقف وجها لوجه أمام المغرب، دون أدوات حقيقية للمواجهة، في وقت صار فيه المغرب نفسه مدرسة متقدمة في تفعيل القوة الدبلوماسية الناعمة والذكية، تحت قيادة ملكية حكيمة، ووزارة خارجية تشتغل بنفس استباقي بعيد النظر، وفريق دبلوماسي وازن يشتغل بتنسيق محكم من العواصم الكبرى إلى أروقة الأمم المتحدة.
منذ تولي عبد المجيد تبون السلطة، لم يسجل التاريخ السياسي والدبلوماسي الحديث في الجزائر موقفا جامعا ومتماسكا لنظامه إزاء القضايا الدولية، بل شهدنا توالي انكسارات تعبيرية وفضائح خطابية لا تليق برئيس دولة. وليس آخرها تصريحه المثير للشفقة حين قال إن بلاده تدعم تقرير المصير لأن “الجزائر صرفت مال قارون على البوليساريو”. في زلة لسان أم في لحظة من اللاوعي، يبدو أن تبون وصف نفسه بخير وصف يليق به، فقد بلغ به الغرور والنرجسية وجنون العظمة أن تشبه بقارون، الذي تقول فيه النصوص إن الأرض خسفت به وبكنوزه، فهل يعي الرئيس الجزائري الرمزية التي اختارها لنفسه، أم أنه أسير ماض استبدادي يرى في المال قوة، وفي دعم الانفصال مجدا؟
وبينما تنشغل الجزائر بلغة الإنفاق والتوظيف المالي الفاسد في خدمة مشروع انفصالي ولد ميتا، يراكم المغرب انتصاراته السياسية والدبلوماسية من خلال رؤية مؤسساتية نابعة من ثوابت الدولة العريقة، تترجمها مبادرات واضحة ودينامية ميدانية. فقد أضحت المقاربة المغربية في التعاطي مع ملف الصحراء، بقيادة جلالة الملك محمد السادس نصره الله، نموذجا في الحكامة الدبلوماسية. المبادرة المغربية للحكم الذاتي، التي وصفت مرارا في قرارات مجلس الأمن بكونها جادة وذات مصداقية وواقعية، تحولت إلى قاعدة إجماع دولي، تجاوز منطق المواقف الرمادية إلى مواقف صريحة من عواصم القرار الكبرى.
لقد أصبح الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على صحرائه نقطة تحول مركزية، ومعها تبني إسبانيا لموقف واضح يعتبر الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية حلا أساسيا، ثم تطور الموقف البريطاني، وتنامي مؤشرات الموقف الفرنسي في نفس الاتجاه. أضف إلى ذلك اتساع رقعة الدول التي فتحت قنصليات عامة في مدينتي العيون والداخلة، وهو ما يعكس واقعا لا يمكن التراجع عنه، ويترجم اقتناعا دوليا متزايدا بمغربية الصحراء وبجدية المبادرة المغربية في إطار الشرعية الدولية.
في مواجهة هذا الزخم، لم تستطع الجزائر سوى الالتجاء إلى سياسة العزلة والقطيعة، فقد قطعت علاقاتها مع المغرب، وباركت الانقلابات في الجوار، ووضعت نفسها في حالة تصادم دائم مع دول الساحل، وتسببت في برود استثنائي في علاقاتها مع موريتانيا وإسبانيا والاتحاد الأوروبي. إن الجزائر اليوم، بموقعها الجغرافي الواسع، وبإمكاناتها الاقتصادية، كان يفترض أن تكون جسرا بين إفريقيا وأوروبا، فإذا بها تتحول إلى عقدة في جغرافيا الانغلاق. يصعب اليوم على أي مراقب أن يجد تفسيرا عقلانيا لمآل السياسة الخارجية الجزائرية سوى منطق الاحتجاز داخل عقلية “العدو الخارجي”، التي تبرر استمرار هيمنة المؤسسة العسكرية على القرار السيادي، في غياب أي أفق ديمقراطي أو مشروع وطني حقيقي.
شنقريحة، الذي اعتبر المغرب “عدوا كلاسيكيا”، يعبر في جوهر خطابه عن ذهنية الحرب الباردة، لا عن تقدير الجوار والمصلحة الإقليمية. والغريب أن هذا الخطاب لم ينتج إلا ما يخدم مصالح المغرب، إذ تعززت الشراكات المغربية الإفريقية، وارتفعت مصداقية الرباط في المحافل الدولية، وتحولت المملكة إلى قوة ناعمة يحسب لها الجميع الحساب، مقابل تآكل مصداقية الجزائر في عمقها القاري والديبلوماسي.
لقد بات من الواضح أن خصوم المغرب في الجزائر، خصوصا في ثنائية تبون-شنقريحة، لا يمتلكون الحد الأدنى من أدوات المواجهة السياسية المشروعة. إنهم خصوم تتمنى أن يكون كل خصومك مثلهم، لفرط ما يمنحونه من الفرص لتعزيز صورة المغرب ومصداقيته. وفي المقابل، تدرك الدبلوماسية المغربية، بتوجيهات سامية من جلالة الملك، أن معركة الصحراء تخاض اليوم برؤية سيادية مستندة إلى الشرعية، مدعومة بديبلوماسية محترفة، وبأداء لافت للوزير ناصر بوريطة والسفير عمر هلال، الذان لم يدخرا جهدا في تعرية الطرح الانفصالي، وكشف التناقضات العميقة في الخطاب الجزائري.
المغرب، وهو يراكم الإنجازات، لا يشتغل بردود الفعل، ولا بمنطق الهروب إلى الأمام، بل بمسؤولية الدولة العريقة التي تراهن على البناء المشترك والاستقرار الإقليمي، دون أن تساوم في قضاياها المصيرية. أما الجزائر، فلا تزال أسيرة عقلية “الكابرانات”، ولا ترى نفسها آمنة إلا إذا صنعت عدوا من سراب، حتى تخفي عن شعبها أسئلته الحقيقية حول التنمية، والمشاركة، والمستقبل.
إن أخطر ما في هذا المسار ليس خصومة الجزائر للمغرب، بل فقدانها للبوصلة، وتورطها في خيارات تقودها إلى العزلة، فيما يواصل المغرب تثبيت قدميه على طريق المستقبل، بثقة الملوك وشرعية التاريخ ووضوح الرؤية.








