بقلم: باحدة عبد الرزاق
منذ اعتلائه عرش أسلافه الميامين في 30 يوليوز 1999، جعل جلالة الملك محمد السادس نصره الله من إعادة هيكلة الدولة المغربية ورشا استراتيجيا لا غنى عنه لتحديث بنيات الحكامة، وترسيخ العدالة المجالية، وتقوية الديمقراطية الترابية. وقد شكل مشروع الجهوية المتقدمة أحد أعمدة هذا الورش الإصلاحي العميق، لما يحمله من بعد تنموي وسياسي، باعتباره رافعة لتحقيق الإنصاف المجالي والتنمية المتوازنة والشاملة.
ففي سنة 2010، أطلق جلالة الملك اللجنة الاستشارية للجهوية، والتي أنيطت بها مهمة بلورة تصور مغربي خالص لنموذج متقدم للجهوية، ينبني على تقوية الديمقراطية المحلية، وضمان النجاعة في التدبير، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتكريس مبدأ التضامن بين الجهات. وقد توج هذا المسار بإقرار دستور 2011، الذي نص على الجهوية المتقدمة كنموذج مؤسساتي بديل يعيد التوازن للسلطة ويمكن المواطن من التأثير في تدبير شؤونه الترابية.

وشكل القانون التنظيمي 111.14 المتعلق بالجهات، الصادر سنة 2015، الإطار القانوني المؤسس للمرحلة الجديدة من اللامركزية، حيث منح للجهات صلاحيات موسعة في إعداد برامج التنمية الجهوية والتصميم الجهوي لإعداد التراب، وتدبير الميزانيات الخاصة، وتوقيع اتفاقيات الشراكة مع الفاعلين العموميين والخواص. وتم بموجب هذا الإصلاح انتخاب رؤساء الجهات والرفع من اختصاصاتهم، وإحداث صندوقين وطنيين هما: صندوق التأهيل الاجتماعي وصندوق التضامن بين الجهات، ما أتاح تقليص الفوارق وتعزيز العدالة المجالية.
وقد واكب جلالة الملك هذا المسار بتتبع دقيق وتوجيه مستمر، حيث دعا في خطبه السامية إلى التسريع بإخراج ميثاق اللاتمركز الإداري، الذي تم اعتماده أخيرا سنة 2018، لضمان تكامل اللامركزية واللاتمركز، من خلال نقل تدريجي ومدروس لاختصاصات الإدارة المركزية نحو المصالح اللاممركزة. وهو ما مكن من تعزيز مكانة الجهات كفاعل تنموي، وربط القرار العمومي أكثر بخصوصيات المجالات الترابية.

ومن مظاهر التحول النوعي الذي عرفه المغرب في عهد جلالة الملك على مستوى التدبير الترابي، إرساء آليات التخطيط الاستراتيجي الجهوي، وتدعيم قدرات الجماعات الترابية البشرية والمالية، وتوسيع اختصاصاتها التدبيرية، وكذا رقمنة العديد من مساطرها الإدارية، ما عزز مبدأ القرب والشفافية في تقديم الخدمات العمومية. كما أطلقت المملكة، بدعم ملكي قوي، برامج مهيكلة لتقليص الفوارق المجالية والاجتماعية في العالم القروي، بميزانيات ضخمة قاربت 50 مليار درهم في مرحلتها الأولى، مما أفضى إلى ربط ملايين المواطنين بالماء والكهرباء والطرق والخدمات الصحية والتعليمية.
ورغم ما تحقق من إنجازات ملموسة، فإن جلالة الملك ما فتئ ينبه إلى ضرورة تعميق هذه الدينامية، وذلك من خلال تحسين الحكامة الترابية، وتسريع ورش الجهوية المتقدمة، والتجاوز الفعلي لمركزية القرار، والارتقاء بموارد الجهات البشرية والتقنية، في انسجام تام مع النموذج التنموي الجديد الذي يجعل من الجهة الفاعل الأساسي في السياسات العمومية.

إن ما راكمه المغرب من خبرة في مجال اللامركزية والجهوية خلال ستة وعشرين سنة من حكم جلالة الملك محمد السادس، جعل من التجربة المغربية نموذجًا يحتذى في المحيطين الإقليمي والقاري، حيث باتت المملكة تقدم دعما تقنيا ومؤسساتيا للعديد من الدول الإفريقية في هذا المجال، ما يؤكد مرة أخرى أن الرؤية الملكية لإصلاح الدولة كانت استباقية وذات بعد استراتيجي عميق.

وفي الذكرى السادسة والعشرين لعيد العرش المجيد، يقف المغاربة باعتزاز أمام هذا التغيير البنيوي العميق، الذي حول الجهة إلى مؤسسة ديمقراطية تنموية، وأسس لدولة فعالة تستجيب لحاجيات المواطن حيثما وجد، في تجسيد حي لربط المسؤولية بالمحاسبة، ولتوطيد أسس العدالة المجالية والوحدة الوطنية في ظل القيادة الرشيدة لجلالة الملك نصره الله.









