تعكس الأحداث الأخيرة في أيت بوكماز بأزيلال تحديات كبيرة تواجهها الحكومة المغربية في تدبير المرافق العامة ومواجهة الاحتجاجات الاجتماعية. فالديمقراطية في المغرب ليست محكومة فقط بالكلفة المالية التي تتحملها الخزينة العامة في تمويل الأحزاب السياسية وحملاتها الانتخابية ومؤتمراتها وتعويضات المسؤولين المنتخبين والوزراء، بل تشمل أيضًا تكاليف ضخمة تتعلق بتسخير القوات العمومية للتعامل مع أوجه العجز الحكومي في توفير الخدمات الأساسية للمواطنين.
تشير البيانات إلى أن كلفة “الديمقراطية” في المغرب، والتي تشمل تمويل الأحزاب والانتخابات، تقدر بحوالي 6 مليارات درهم خلال كل ولاية تشريعية، أي ما يعادل 1.2 مليار درهم سنويًا. لكن الكلفة الأكبر، وهي الأثر المباشر للعجز في إدارة الخدمات العمومية، تصل إلى 18 مليار درهم سنويًا، وتغطي المصاريف المتعلقة بمواجهة حوالي 20,000 مظاهرة احتجاجية تحدث سنويًا في مختلف مدن وقرى المغرب.
وتتعدد أسباب هذه الاحتجاجات، حيث يلجأ المواطنون إلى التظاهر بسبب العجز عن توفير الماء، والتعليم، والنقل، والطرق، والمستشفيات، والطاقة الكهربائية. وفي مواجهة هذه الاحتجاجات، يتم تسخير مختلف الأجهزة الأمنية، بما في ذلك الشرطة، والدرك، وقوات التدخل السريع، والمخازنية، وأعوان السلطة، والوقاية المدنية. ووفقًا للتقديرات، فإن تكاليف مواجهة كل مظاهرة تقترب من مليون درهم، تشمل الأجور والتعويضات للأفراد العاملين في الأجهزة الأمنية، بالإضافة إلى تكاليف التنقل والمحروقات.
وبالتالي، إذا جمعنا تكاليف التمويل السياسي وتكاليف مواجهة الاحتجاجات، فإن الكلفة السنوية للديمقراطية والفشل في إدارة الشأن العام تصل إلى 19.2 مليار درهم، وهو مبلغ ضخم للغاية. وتطرح هذه الأرقام تساؤلات جدية حول قدرة المغرب على الاستمرار في تحمل هذه التكاليف، خاصة في ظل الوضع الاقتصادي الذي يشهد تحديات متزايدة.
السؤال الأهم هنا هو: هل يمكن تبرير هذا الإنفاق الضخم على قمع الاحتجاجات نتيجة تقصير المسؤولين في أداء مهامهم؟ هل من الأجدر محاكمة هؤلاء المسؤولين الذين يتحملون جزءًا من المسؤولية عن إخراج المواطنين إلى الشوارع؟ هذه المحاكمة قد لا تعيد الموارد التي ضاعت، لكنها قد تؤدي إلى تحسين إدارة المرافق العامة في المستقبل.
من خلال محاسبة المسؤولين، يمكن أن يتحقق هدفان رئيسيان: الأول هو تجديد النخب السياسية والإدارية التي تهدر مصالح البلاد، والثاني هو توفير حوالي 18 مليار درهم سنويًا يمكن استخدامها لتحسين حياة المواطنين وتلبية احتياجاتهم الأساسية، بدلًا من صرفها على تغطية مظاهرات الاحتجاج.
وفي هذا السياق، يجب ألا نغفل عن درس “حراك الريف” في الحسيمة الذي كلف الدولة ما يقدر بـ 240 مليار سنتيم على مدار ثمانية أشهر من التدخلات الأمنية، وهو ما يعد مثالًا آخر على تأثير التقصير الحكومي في تعزيز استقرار المجتمع.
الأمل يكمن في التوجه نحو إصلاحات حقيقية تضمن عدم تكرار هذه الدروس المكلفة، وتسمح بتحقيق تنمية شاملة ورفاهية للمجتمع المغربي دون الحاجة إلى الاستجابة المستمرة للاحتجاجات الشعبية بسبب نقص الخدمات الأساسية. منقول عن / عبد الرحيم أريري









