محمد البشيري – وكالة الأنباء المغربية
وسط النقاش العمومي المحتدم بشأن تفويت عقاري بغير عوض بين زوجين، تصاعدت تأويلات شعبوية، وبرزت آراء متسرعة تفتقد للحد الأدنى من الدقة القانونية. بعض هذه المواقف ذهبت إلى حد توجيه اتهامات ضمنية إلى الإدارة الضريبية بالتقاعس عن تحريك المساطر داخل أجل 90 يومًا، في إشارة إلى ما ورد في المادة 224 من المدونة العامة للضرائب.
غير أن هذا الربط يكشف، من وجهة نظر قانونية صرفة، خلطًا واضحًا بين مساطر ضريبية مختلفة، وغيابًا للفهم الدقيق لفلسفة المدونة الجبائية التي تُميّز بين أنواع التفويتات، وتخضع كل حالة لمنظومة مسطرية خاصة.
وفي هذا السياق، أوضح الدكتور جواد لعسري، أستاذ التعليم العالي بكلية الحقوق وخبير في القانون الضريبي، في تصريح خاص لوكالة الأنباء المغربية، أن : “ما يقع اليوم هو خلط بين التصريح بالربح العقاري، المنظم بالمادة 224، والذي يهم المفوّت الخاضع للضريبة، وبين مراقبة أو تصحيح واجبات التسجيل التي تخص المفوّت له. في حالة التفويت بغير عوض بين الزوجين، المفوّت معفى صراحة من الضريبة على الدخل وفقًا للمادة 63 . وبالتالي، لا مجال للحديث عن 90 يومًا، لأن هذا الأجل لا يخص وضعية الإعفاء.”
وأردف الخبير الضريبي قائلاً: “الإدارة الجبائية، في مثل هذه الحالات، لا تُجري فحصًا، بل من حقها أن تُمارس مسطرة تصحيح القيمة المصرح بها، إذا ارتأت أنها غير مطابقة للقيمة التجارية الحقيقية للعقار. وتبقى هذه الصلاحية سارية إلى غاية نهاية السنة الرابعة التي تلي سنة تسجيل العقد، وفقًا للمادة 232 من المدونة.”
وبذلك، حق الإدارة سيسقط في تصحيح واجبات التسجيل التكميلية بحلول يناير 2030 ، إذا كان تسجيل العقد قد تم سنة 2025، كما هو متداول.
ويُبرز الدكتور لعسري سبب هذا الخلط، قائلاً : “العقود الناقلة للملكية تشمل طرفين: المفوّت والمفوّت له، وكل طرف يخضع لنظام ضريبي خاص، مستقل عن النظام الذي يخضع له الطرف الثاني. وهذا التباين يُنتج التباسًا في فهم من يُوجَّه له الإلزام الجبائي، خاصة لدى غير المختصين.”
ففي هذه الحالة، المفوّت (الزوج) مستفيد من إعفاء صريح، أما المفوّت لها (الزوجة) فهي الخاضعة لواجبات التسجيل، ويحق للإدارة أن تُعيد تقييم القيمة التي تم التصريح بها إذا اعتبرتها دون القيمة التجارية المتداولة.
أما بخصوص ما تم الترويج له من احتمال استعمال “حق الشفعة”، فقد شدد الأستاذ الجامعي على أن هذا الحق ليس مطلقًا، بل يبقى معلقًا على شرط جوهري يتمثل في عدم التوصل إلى تسوية مع الإدارة الضريبية بخصوص واجبات التسجيل التكميلية، وذلك وفقًا لما تنص عليه مسطرة التصحيح المحددة في المادة 217 من المدونة العامة للضرائب.
وأنهى الدكتور جواد لعسري تصريحه بلهجة واضحة : “من المؤسف أن تُطلق تصريحات غير مؤسسة، تستهدف مسؤولين إداريين دون بيّنة قانونية، بل ويتم ذكر أسمائهم وصفاتهم، في مسّ مباشر بمصداقيتهم المهنية. لذلك، أدعو إلى التريث وعدم الخوض في قضايا متخصصة لا تقع ضمن دائرة كفاءة البعض، حفاظًا على هيبة المؤسسات ومصداقية النقاش العمومي.”
وختم الدكتور لعسري حديثه إن تحميل الإدارة الضريبية مسؤولية لم تقم بها أصلًا، بناء على تأويل غير سليم لنص قانوني لا ينطبق على الحالة، يُعد قصر نظر قانوني، وظلم مؤسسي. فالمعطى القانوني الصلب يُظهر أن الإدارة ما زال لها الحق في مراجعة قيمة التفويت إلى حدود 2029، وأن التفويت بين الأزواج في الأصل لا يخضع للربح العقاري بل للتسجيل فقط، ولا يرتب أي تقاعس إداري أو خرق للمسطرة الجبائية.







