وسط تصدعات متسارعة وتفكك داخلي بات واضحا، تتجه جبهة البوليساريو نحو مفترق طرق حاسم ينذر بانفجار داخلي وشيك، في ظل محاولات يائسة لترميم هيكل تنظيمي متآكل، وفقدان شبه تام للشرعية السياسية والأخلاقية. الاجتماع المزمع عقده في تندوف، والذي تصفه الأذرع الدعائية للجبهة بـ”الحاسم”، لا يبدو إلا محاولة متأخرة لتأجيل لحظة الانهيار، بعد أن وصلت الأزمة إلى ذروتها، وتآكلت الثقة بين القيادة والقاعدة، في سياق إقليمي ودولي لم يعد يتسع لمشاريع الانفصال المهترئة.
ما يروج له داخل المخيمات ليس سوى إعادة تدوير لعقيدة خائبة، عجزت عن إنتاج قيادة جديدة، ولا تزال رهينة وجوه أكل عليها الزمن، تتغذى من امتيازات النظام الجزائري الذي بدأ بدوره يرفع اليد تدريجياً عن مشروع لم يعد يخدم مصالحه الداخلية ولا الإقليمية. التأجيل المحتمل للمؤتمر العام أو تمديد عهدة القيادة الحالية يكشف عمق المأزق، إذ تعجز القيادة حتى عن الاتفاق على جدول أعمال أو تاريخ مؤتمر، في لحظة تستعر فيها الانتقادات من شباب المخيمات والقيادات الوسيطة، التي سئمت من شعارات عقيمة وانغلاق تنظيمي يكرّس الإقصاء والتمييز القبلي.
في العمق، الأزمة ليست ظرفية، بل هي بنيوية وتاريخية، تشكّلت عبر عقود من التهميش والانتهاكات والفساد المقنن، في ظل بيئة معزولة لا تفرز سوى الولاء الأعمى والخضوع المطلق لقيادات مرتبطة بشبكات التهريب والإرهاب العابر للحدود. تراجع التنسيق مع الجزائر – وخاصة في الجوانب المالية والدعائية – ليس تفصيلا عابرا، بل دلالة على بداية مرحلة جديدة يُعاد فيها ترتيب الأوراق، حيث يبدو أن حتى الحليف التاريخي للجبهة بدأ يشكك في فاعليتها كأداة لمناورة إقليمية فشلت في تحريك المياه الراكدة بالصحراء.
وفي مقابل تآكل البوليساريو، يبرز المغرب بثقة ووضوح، عبر خطة الحكم الذاتي التي تحصد الاعترافات الدولية، وتكرس مكانة الرباط كفاعل موثوق في محيط مضطرب. المقارنة بين دينامية التطور السياسي والاقتصادي في الأقاليم الجنوبية المغربية، وبين واقع الجمود والتهميش في مخيمات تندوف، أصبحت صارخة، تدفع مزيدا من الصحراويين نحو التشكيك في جدوى الاستمرار في كيان انفصالي بات يُدار بالتحكم والتخويف لا بالشرعية ولا بالمشاركة.
الجبهة اليوم لا تواجه فقط أزمة هيكلية، بل انهيارا رمزيا لفكرة الانفصال نفسها، التي فقدت جاذبيتها حتى داخل أوساط طالما اعتُبرت خزانا بشريا للفكرة الانفصالية. إذ لم يعد في وسع القيادة تبرير الإخفاقات المتتالية، ولا بإمكانها إقناع الأجيال الجديدة التي نشأت في عزلة، لكنها أصبحت أكثر وعيا بالعالم من حولها، وأكثر قدرة على مساءلة المسلمات البالية، التي أُريد لها أن تتحول إلى عقيدة أبدية فوق أرض لا وطن فيها، سوى للجوع والخوف والانتظار العبثي.
أما الحديث عن المؤتمر، فهو مجرد قناع لاجتماع أزمة بلا أفق. اجتماع قد يكون الأخير في سياق تنظيم بدأ يتفكك من الداخل، في وقت يصر فيه المغرب على التقدم نحو المستقبل، ويصر فيه خصومه على التمسك بأشلاء مشروع ميت، لم يعد قادرا لا على الحرب ولا على السلام، بل فقط على المزيد من العبث بمصائر المحتجزين.








