باحدة عبد الرزاق / وكالة الأنباء المغربية
في الوقت الذي تشهد فيه المنطقة المغاربية تحولات متسارعة على المستويات الجيوسياسية والاقتصادية والدبلوماسية، يصرّ نظام الكابرانات في الجزائر على مواصلة الهروب إلى الأمام عبر آليات قديمة بالية، لم تعد تنطلي إلا على من شاركه السذاجة أو الاصطفاف الأيديولوجي الأعمى. من بين هذه الآليات، يبرز ما يسمى بـ”الذباب الإلكتروني”، كواحد من آخر الأوراق المحترقة التي يحاول بها النظام العسكري التغطية على فشل سياساته الداخلية، والانهيارات التي تلاحقه على مستوى العلاقات الخارجية، خصوصاً في ملف الصحراء المغربية.
لقد أصبحت سياسة الذباب الإلكتروني في الجزائر بديلا عن الفعل السياسي والمؤسساتي الجاد، متنفسا افتراضيا لنظام يعاني من فقر في الشرعية وانهيار في الثقة. إذ يتم تجنيد آلاف الحسابات الوهمية بشكل منظم لمهاجمة كل منشور ينتقد الوضع داخل الجزائر، سواء تعلق الأمر بالأوضاع الاقتصادية المتدهورة، أو الحريات المقموعة، أو العزلة التي باتت تخنق البلاد بعد خسارة حلفاء استراتيجيين مثل فرنسا وإسبانيا وحتى روسيا. ويقوم هذا الذباب باجتياح منصات التواصل الاجتماعي لدول أخرى، مطلقا شعارات شعبوية متجاوزة، أغلبها خارج السياق، تتكرر بشكل ممجوج على شاكلة “التطبيع”، حتى وإن كان الموضوع يتعلق بمناخ أو رياضة أو اقتصاد. مشهد يعكس مقدار التآكل في منطق الدولة الجزائرية، ويكشف عن اعتماد ممنهج على الرداءة، سواء في الخطاب أو الأدوات أو من يقف خلفها.
لكن الأخطر أن النظام لا يكتفي باستخدام هذا الذباب ضد الخصوم الخارجيين، بل يوجهه أيضا نحو المعارضين الجزائريين في الداخل، في سياسة تسعى لتكميم الأفواه وترهيب الأصوات الحرة. وهو ما يؤكد أن هذه الحملات ليست عفوية، بل مدفوعة ومنظمة، تقودها جهات أمنية وإعلامية مرتبطة مباشرة بمؤسسة العسكر، التي ترفض التنازل عن تحكمها الكامل في مصير البلاد.
كل هذا الضجيج الرقمي ما هو إلا ستار دخاني تحاول من خلاله الجزائر التستر على عزلتها المتنامية في محيطها الإقليمي. فقد فشلت في عزل المغرب كما كانت تأمل، وتبين أن المقاطعة الدبلوماسية كانت سلاحاً ارتدّ على أصحابه. المغرب، بثبات وهدوء، راكم انتصارات متتالية في ملف الصحراء، ونجح في تحويل دعم الحكم الذاتي إلى واقع سياسي ودبلوماسي، في حين وجدت الجزائر نفسها تتلقى الصفعات من أقرب حلفائها. فرنسا أغلقت أبواب الدعم الرمزي، إسبانيا قلبت موقفها كلياً، وروسيا لم تعد ترى في الجزائر سوى حليف ثانوي في حسابات الساحل والغاز والأمن.
حتى موريتانيا، التي كانت لسنوات تراوح بين الحياد والضبابية، بدأت تعيد تموقعها، فاختارت تعزيز مراقبة الحدود واقتناء طائرات صينية مسيرة عالية الجودة، لتبعث برسالة واضحة: زمن التلاعب بالأمن الإقليمي قد ولى. كما أن دعمها الميداني والمعلن للوحدة الترابية المغربية بات حقيقة مقلقة بالنسبة للنظام الجزائري، الذي خسر رهانه على توريط دول الجوار في نزاع مفتعل.
في خضم هذه الخيبات، لا يجد النظام العسكري سوى نظرية المؤامرة ملاذاً يبرر به كل فشل، ويمنح بها نفسه شرعية الاستمرار. فكلما تعالت أصوات النقد، تم تجنيد الذباب وتفعيل الاتهامات الجاهزة: “خيانة”، “عمالة”، “تطبيع”، وكأن الجزائر بلد بلا أخطاء ولا انحرافات، وكل منتقد هو بالضرورة خصم خارجي أو أداة في يد الأعداء. والحقيقة أن هذه النظرية لم تعد تقنع حتى الأطفال، فكيف بالعقلاء؟ بل إن تكرارها الممل أصبح كاشفاً لمدى ضيق الأفق السياسي الذي يعاني منه النظام.
واقع الحال أن الجزائر سقطت في عزلة خانقة، وخسرت أوراقها تباعاً، ولم يتبق لها سوى ذباب إلكتروني يحوم حول الفشل، ويغطي عجزاً لم يعد يحتاج إلى برهان. هذا الذباب، رغم ضجيجه، لا يصنع سياسة ولا يعيد هيبة، ولا يمكن أن يخدع مجتمعاً دولياً بات يعرف جيداً من يعمل لصالح السلام والتنمية، ومن لا زال يعيش على فزاعة الماضي. المغرب ماضٍ بثقة نحو المستقبل، بينما الجزائر عالقة في مستنقع تخلقه بأيديها، وتحاول إنكاره عبر تعليقات واهنة وحسابات وهمية، في زمن لا يرحم المتخلفين.








