في مشهد يعيد إلى الأذهان أساليب الإقصاء السياسي في الأنظمة العسكرية، قضت محكمة جزائرية يوم الإثنين 26 ماي 2025، بالسجن عشر سنوات نافذة في حق ثلاثة مرشحين محتملين لرئاسيات 2024، في خطوة تعزز القناعة بأن الطريق إلى صندوق الاقتراع في مثل هذه الأنظمة لا يُعبّد بالبرامج أو النقاش العمومي، بل يُغلق بالأحكام الجاهزة والتهم المفصلة على المقاس.
الأحكام طالت سيدة الأعمال سعيدة نغزة، والوزير الأسبق بلقاسم ساحلي، ورجل الأعمال عبد الحكيم حمادي، بعد إدانتهم بتهم تتعلق بـ”شراء التوقيعات”، وهي تهم يُنظر إليها في الأوساط الحقوقية والسياسية كأداة تقليدية لتصفية الخصوم في جمهوريات تُدار من خلف الستار العسكري. وقد جاء هذا الحكم في أعقاب حملة اعتقالات واسعة شهدها غشت 2024، حين أُعلن عن فتح تحقيق ضد المرشحين الثلاثة، وتوقيف 68 شخصاً بدعوى الاشتباه في تقديم أموال مقابل جمع التوقيعات اللازمة للترشح.
المحكمة لم تكتف بالحكم على المرشحين البارزين، بل وسّعت نطاق العقوبات لتشمل نحو سبعين شخصاً آخرين، بينهم أبناء سعيدة نغزة، وعدد من المنتخبين المحليين والبرلمانيين، الذين صدرت في حقهم أحكام بالسجن تتراوح بين خمس وثماني سنوات، وسط اعترافات قيل إنها تتعلق بتلقي مبالغ لا تتجاوز ثلاثين ألف دينار مقابل توقيعات، وهو ما اعتبره مراقبون محاولة لتحويل منافسة سياسية مشروعة إلى قضية جنائية مفتعلة.
بموجب القانون الجزائري، يفرض على أي مترشح جمع 600 توقيع من منتخبين موزعين على 29 ولاية على الأقل، أو 50 ألف توقيع من المواطنين. غير أن هذا الشرط، بدل أن يكون ضمانة قانونية، يُستعمل في السياق الجزائري كأداة للانتقاء السياسي، إذ لم يُقبل من أصل 16 مترشحاً سوى ثلاثة ملفات فقط، أبرزها ملف الرئيس المنتهية ولايته عبد المجيد تبون، الذي يدخل السباق كمترشح “مستقل”، إلى جانب يوسف أوشيشي وعبد العالي حساني شريف، في مشهد انتخابي يكاد يخلو من أي مفاجأة.
بهذا الحكم، يتأكد مجدداً أن التنافس في أنظمة الحكم العسكري لا يُحسم في صناديق الاقتراع، بل في أروقة القضاء المسيس، وأن المرشحين الذين يفكرون في مقارعة الرئيس المعين، لا يُواجهون بالحجج والبرامج، بل بالملاحقات والتهم، في مشهد يُفرغ الاستحقاق الانتخابي من معناه، ويحول الانتخابات إلى مجرد استعراض لشرعية شكلية بلا محتوى.








