محمد نشوان /
حائطُ حارتِنا كانَ مثلَ صحيفةٍ يوميَّةٍ ناطقةٍ، بلا كذِبٍ ولا رياء. من خلالِ حيطانِ الحاراتِ يمكنُنا التعرُّفُ على أسماءِ الباغياتِ، والشواذِّ، والمخبرينَ، والحرفيينَ. لا فرقَ بينَ الأمسِ واليومِ، الفرقُ فقط في التفاصيل. بالأمسِ كانَ جدارُ الحارةِ، واليومَ حائطٌ فيسبوكيٌّ مستفزٌّ ينشرُ غسيلَ روادِه.
شبابُ الحارةِ كانوا مقسمينَ بشكلٍ اعتباطيٍّ؛ فئةٌ تعيشُ في عالمٍ افتراضيٍّ وتسافرُ عبرَ بطولاتٍ رياضيةٍ وهميَّةٍ، وفئةٌ ثانيةٌ تدمنُ الكحولَ والمخدراتِ، وفئةٌ ثالثةٌ أطلقتْ اللحي وخَفَتْ شواربُها، وبدأتْ تُحلِّلُ وتُحرِّمُ حسبَ أهوائِها.
كنتُ ضائعًا وسطَ هذه الفوضى، أتنقلُ من فئةٍ لأخرى دونَ تقيدٍ بفكرٍ معينٍ، وكأنني أبحثُ عن نفسي وسطَ وجوهٍ مقنعة. شبابُ الحيِّ كانوا أشبهَ بدمىً متحركةٍ تتلاعبُ بها رموزُ سياسية بنهج يساري و يميني و هلم شرا…
في الجهةِ الشرقيةِ لحارتِنا كانت تسكنُ “ربيعةُ العبدية”، امرأةٌ في الثلاثينَ من عمرِها، قدمتْ إلى مراكشَ معَ عودةِ متطوعي المسيرةِ الخضراءِ واستقرتْ في حارةِ السورة.
العبديةُ كانت جميلةً ذاتَ غمازةٍ تضاهي جمالَ القمر. تقولُ والدتي بتحفظٍ: إنها جاءتْ من منطقةِ عبده، وإنها تمرُّ بظروفٍ صعبةٍ، وتَتوقفُ عن الكلامِ حين تسردُ الحكايةَ، لكنني عرفتُ السرَّ عندما بدأتْ مجموعةٌ من الرجالِ تترددُ على بيتِها كلَّ مساء.
حتى فقيهُ الحارةِ كان يترددُ على بيتِها مدعيًا أنه يساعدُها في إبطالِ السحرِ وطردِ الجن. كنتُ أسترقُ السمعَ من خلفِ ستارةٍ باهِتةٍ بفعلِ الزمنِ، فأرى غرفةً بسيطةً تحوي سريرًا قديمًا يئنُّ تحتَ ثقلِ الزوارِ، وصندوقًا أصفرَ يُستخدمُ كخزانةٍ لملابسِ وذكرياتِ العبدية، ونافذةً صغيرةً يتسربُ منها ضوءٌ خافت. و على الطاولةِ الخشبيةِ القديمةِ كانت هناك صينيةٌ نحاسيةٌ عليها كؤوسٌ غير واضحةِ المحتوى، بينما كانت العبديةُ تربطُ خصرَها بمنديلٍ مزركشٍ وترقصُ على أنغامٍ شعبيةٍ، مستسلمةً لوضعِها البئيس.
كان الزبونُ المخمورُ ينعتُ العبديةَ بالباغيةِ والكلبةِ، متلذذًا بتعذيبِها بالكلماتِ والشتائمِ، ناثرًا عليها أوراقًا ماليةً. كانت ترى فيه فارسَ أحلامِها، وكان يرى فيها عاهرَتَه الأبدية. تبدأُ ليلتُهما بالرقصِ والخمرِ وتنتهي بالشجارِ والضرب.
فضيحةُ العبديةِ أصبحتْ حديثَ الحارةِ، وكلُّ سكانِها أرادوا أن يتذوقوا شهيتَها في النميمة. والدتي كانت تراوغُ كلما سألتُها عن الواقعةِ، بينما العبديةُ استمرتْ في حبِّ عشيقِها بشكلٍ جنونيٍّ رغمَ كلِّ الإهاناتِ.
وفي ليلةٍ مقمرةٍ، وفي خضمِّ نشوتِهما، دوتْ صرخةٌ مزقتْ سكونَ الحيِّ؛ العبديةُ استلتْ سكينًا وغرستْه في جسدِ عشيقها، وهي تهذي بكلماتٍ غير مفهومةٍ:
“لقد قتلني ألفَ مرةٍ قبلَ أن أقتله… أريدُ أن أرتاح.”
قصةُ العبديةِ ظلتْ تتداولُ بينَ سكانِ الحارةِ، بينما مصيرُ ابنِها لا يزالُ مجهولًا. كانت النسوةُ يتذكرنَها بحسرةٍ، ويقلنَ إنها امرأةٌ بألفِ رجل.
في حارتِنا، بعدَ التاسعةِ ليلاً، من الحكمةِ أن تفرضَ على نفسك حظرَ التجولِ قبلَ أن يفرضَه عليك اللصوصُ وقطاع الطرق…
وفي الصباحِ، تعودُ الحارةُ إلى روتينِها اليوميِّ، متظاهرةً بالطهرِ والعفافِ، بينما تستمرُّ حواراتُ سكانِها المتنافرةُ في كلِّ زاوية.
هامش: تأسستْ حارةُ السورةِ إبانَ فترةِ حكمِ المرابطين. “السورة” هو اسمُ بنتِ يوسف بن تاشفين، وكانت فائقةَ الجمالِ حتى أُطلِقَ عليها هذا الاسم. و في هذه التسمية تضاربت روايات كثيرة…









