بقلم | أوباح بوجمعة/جمال
في عالم يزداد ترابطا وتداخلا يوما بعد يوم، تتجه أغلب الدول نحو بناء التحالفات، توسيع الشراكات، وفتح نوافذ التعاون الاقتصادي والسياسي. وبينما تسير معظم الدول في هذا الاتجاه الإيجابي، تبرز الجزائر للأسف كنموذج مغاير تماما، حيث تصنع الأعداء أكثر مما تصنع الأصدقاء، وتخسر الجيران قبل أن تكسب الحلفاء.
إنها الدولة الغنية بالنفط والغاز، تملك من الموارد ما يكفي لتكون قوة اقتصادية إقليمية فاعلة، لكن تلك الثروة تحولت إلى لعنة سياسية في يد نظام عسكري يرفض الانفتاح، ويهوى اللعب في المياه العكرة لجيرانه.
فبدلا من أن تستثمر تلك الموارد في التنمية الداخلية وتحسين معيشة شعبها، اختارت توجيه البوصلة نحو التدخلات الخارجية، وبناء خطاب عدائي لا يخدم أحدا، بل يزيد من عزلة البلاد.
في محيطها المغاربي والعربي، تقف الجزائر في موقع المتفرج المشاغب، تزرع الشك، وتغذي النزاعات، وتنسج المؤامرات، بدلا من أن تكون عنصر استقرار. فما الذي يدفع دولة بوزنها الجغرافي والتاريخي لتبني سياسات كهذه؟ الإجابة بسيطة: عقلية الجنرالات، عقلية ما زالت تعيش في زمن الحرب الباردة، وترى في كل تطور إقليمي تهديدا، وفي كل مبادرة سلمية فخا.

هذه الدولة تبدو أحيانا كمثل كتكوت يحاول كسر قشرة بيضته للخروج إلى العالم، لكن البيضة باتت سميكة من الداخل، مصنوعة من شعارات بالية، ومنظومات أمنية خانقة، وسياسات خارجية بائسة. الكتكوت لا يكبر، لا يخرج، ولا يتنفس، وإنما يختنق يوما بعد يوم، بينما الآخرون يطيرون بعيدا في فضاء العلاقات والتحالفات الجديدة.
ولعل أكثر ما يؤلم هو أن الشعب الجزائري، شعب الكرامة والثورة، هو أول من يدفع ثمن هذه السياسات العشوائية. فبينما تبني دول الجوار مشاريع الطاقة النظيفة، والمدن الذكية، وتوقع الاتفاقيات مع عواصم القرار العالمية، يقف المواطن الجزائري في طوابير الحليب والزيت، يتساءل عن ثروته المسلوبة، ويتحسر على سنوات شبابه التي تذوب بين عجز الدولة وصمت الجنرالات.

الجزائر لا تعاني من عدو خارجي، بل من أزمة داخلية تبدأ من نوايا قادتها وتنتهي في معاناة شعبها. ما تحتاجه الجزائر ليس المزيد من العداءات، بل مصالحة مع الذات، واعتراف بأن زمن الإيديولوجيات العسكرية قد ولى، وأن المستقبل لا يصنع بالدبابات بل بالشراكات، لا يكتب في بيانات وزارة الدفاع، بل في إرادة الشعب.
ربما آن الأوان لتعيد الجزائر النظر في علاقاتها، في لغتها السياسية، وفي أولوياتها. فالتحرر الحقيقي لا يكون فقط من الاستعمار القديم، بل من العقليات التي لم تتحرر منه بعد.









