متابعة / بوجمعة جمال أوباح
هي حكاية حب مجنونة نسجت الفطرة نواتها الأولى مبكرا بين صبي صغير وآلة موسيقية اسمها الرباب ، كان الصبي يحرص كل يوم على حفظ حصته من القرآن بسرعة ليغادر المسيد مهرولا صوب ربابه الذي شغفه حبا ، نواة تفتقت بموهبة استثنائية نهاية ستينيات القرن الماضي لتعلن ميلاد هرم فني كبير تربع على عرش آلة الرباب بتواضع قل نظيره.
طاوع العندليب السوسي ربابه وتلاعب بأوتاره كما شاء لتتدفق بين أنامله موسيقى عذبة أمتعت عشاق اللحن الجميل ، حلق عاليا في سماء الفن ، صال وجال في مدن المغرب وبواديه قبل أن يخترق صدى ابداعه كل الحدود ، ولأنه طائر وديع لم يكن يحط الرحال إلا حيث يجد الأدب والحب والاحترام.
عزف بلمودن لرواد فن ” تيرويسا ” مثل الحاج محمد الدمسيري ورقية تحيحيت مقورن وعمر واهروش والمهدي بن مبارك وأيسار وفاطمة تباعمرانت وأتيكي وغيرهم كثير ، ولم يكن الرايس الحسن يعزف فحسب ، بل كان ملاكا فنيا ينفذ لدواخل كل واحد من هؤلاء الرواد ليهيء له لونه الموسيقي الذي يتفرد به ، ليصير ـ بجدارة – واحدا من ملوك آلة الرباب في تاريخ الأغنية الأمازيغية ، وقد سأل الإذاعي محمد والكاش المايسترو بلمودن ذات لقاء عما إذا كان هناك فنان أمازيغي لا يستطيع أن يعزف له فأجاب بالنفي.
خاض البلبل الغريد بنفس طويل رحلة فنية مميزة على امتداد سبعة عقود من الزمن تسلح فيها بالصبر والتواضع والاجتهاد ، ولم يخش الرباب يوماً الاندثار أمام زحف الآلات الموسيقية العصرية وهو في حضرة عاشقه بلمودن الذي نجح في دمجه بشجاعة وذكاء مع ما استجد من تلك الآلات.
استمرت علاقة الحب والارتباط بين بلمودن وربابه من الأيام الأولى لطفولته إلى اللحظات الأخيرة من حياته ، آن له الآن أن يستريح بعدما أوصل الرباب إلى بر الأمان ، حق له أن يغادر بعدما استوطن كل القلوب بابتسامته وصدقه وبساطته ، وفي لحظة الوداع أبى القدر إلا أن يرسم لوحة نوستالجية شاهدها جمهور سهرة سيدي مومن بالدار البيضاء حيث أمتع بلمودن محبيه قبل أن يرحل للأبد بسويعات قليلة ، لقد ظلت أوتار ربابه تحتفي بالحياة حتى على عتبة الرحيل ..
– كتبها الطيب أكوز محام بهيئة أكادير ـ









