ظاهرة التسول في المغرب: التحديات والمقترحات للحد منها

إعداد : وديني مصطفي

التسول ظاهرة اجتماعية معقدة تُعدّ من أقدم الظواهر التي واجهتها المجتمعات عبر التاريخ. ويهدف إلى طلب المال أو الطعام من عموم الناس باستجداء عطفهم وكرمهم، بغض النظر عن صدق المتسولين أو كذبهم
فهي ظاهرة اجتماعية متأصلة في تاريخ البشرية وتتأثر بتطور المجتمعات (العبودية، الفقر، التورة الصناعية، الحروب، العولمة ….)
في المغرب يعد التسول آفة متفشية بشكل كبير اذ اصبحت مهنة الكثير من العاجزين والفاشلين والانتهازيين والمنحرفين الدين يلجؤون الي استجداء المساعدة من الناس في الأماكن العامة، في الأسواق والمقاهي والمطاعم والمساجد والمخابز والمراكز التجارية الكبرى …..
وقد اتخذ الكثير منهم التسول مهنة يومية لجمع المال بطريقة سهلة دون مشقة، منهم من يلجأ الي استخدام الأطفال او ادعاء المرض او الإعاقة ومنهم من يستعمل الدين لجدب عطف الناس ومنهم من يستعمل التمثيل لدفع الناس الي التصدق عليهم
وحسب الإحصائيات يوجد ما بين 195 و200 ألف متسول في المغرب وهو ما يعد رقما كبيرا مقارنة مع الدول العربية اد يحتل المراتب الاولي عربيا.
وحسب نفس الاحصائيات تتميز التركيبة الاجتماعية للمتسولين بوجود :

  • 70% المتسولين من النساء •%25 من المتسولين دون سن 18
  • 60% من المتسولين لا يُجيدون القراءة والكتابة .
  • 40% من المتسولين متزوجون.

وسوف نركز في هدا المقال على عاملين مهمين في انتشار ظاهرة التسول وهما: استغلال الاطفال والتفكك الاسري.
ويعد استغلال الاطفال في التسول ظاهرة مؤلمة تطورت في السنوات الأخيرة لعدة أسباب منها فقر الاسر واستغلال بعض العصابات للأطفال المتخلي عنهم لأجل التسول مقابل الحماية والسكن والطعام.
وتقوم هاته العصابات بإجبار الأطفال على التسول في الشوارع ومختلف الأماكن التي تعرف ازدحاما ورواجا كبيرا متل المساجد والحافلات وقرب اشارات المرور لساعات طويلة وفي ظروف قاسية كما انها تعلمهم طرق احترافية للتسول تصل الي ايهام الناس بوجود عاهات جسدية لديهم،
كما ان هناك اسر تقوم بتأجير اطفالها منهم الرضع لهاته العصابات بمقابل يومي قد يصل من 150 الي 300 درهم.
ويعد الفقر والبطالة من بين أحد الأسباب التي تؤدي الي تسخير الأطفال للتسول اد ان بعض الاسر كلها تمتهن التسول طمعا في تحقيق مدخول يومي كبير قد يتعدى 1000 درهم في اليوم وبهذا يتحول التسول الي مشروع استثماري.
الا ان الفقر لا يمكن ان يفسر كل شيء اد ان بعض المتسولين يتوفرون على عقارات وارصدة بنكية محترمة ورغم دلك يتعاطون للتسول.
ولعل واقعة سيدة اكادير التي اعتقلت بسبب التسول وهي تتوفر على سيارة فارهة علي اتر تداول مقطع فيديو لها على مواقع التواصل الاجتماعي، يظهر امرأة متسولة تلبس النقاب، تقوم بتغيير ملابسها قرب سيارة فاخرة رباعية الدفع، بعدما قضت يومها في التسول وجمع الدراهم دليل علي هدا حيث تم اعتقالها من قبل المصالح الأمنية بأكادير، بتهمة امتهان التسول والنصب والاحتيال لإثارة استعطاف الناس.
كما سبق أن تم توقيف متسولة غنية في نفس المدينة، حيث أمر وكيل الملك بالمحكمة الابتدائية، بمتابعتها في حالة اعتقال وإيداعها السجن، بعدما كشفت التحريات التي قامت بها الشرطة القضائية، أنها تمتهن التسول أمام المساجد وتتوفر على سيارة ومنزل فاخرين أحدهما تكتريه.
كما تم ضبط متسول كفيف، يبلغ من العمر 35 سنة، له رصيد بنكي بمبلغ 65 مليون سنتيم، ويملك منزلا للسكن، إضافة إلى رخصة استغلال سيارة أجرة كبيرة.
ويعد التفكك الاسري نتيجة الترمل او الطلاق من بين اهم الأسباب في انتشار التسول حيت يؤدي الي تفاقم الفقر وفقدان الأمان وهدا ما يفسر ارتفاع عدد النساء والأطفال الدين يتعاطون للتسول، اد في غالب الأحيان تكون النساء بدون عمل او مستوي تعليمي يمكنها من ولوج سوق الشغل مما يضطرها الي التسول مع ابناءها لتأمين احتياجاتها الأساسية.
ونضرا لاستفحال هاته الافة في السنوات الاخيرة أدلى المجلس الاقتصادي والاجتماعي برأي حول الموضوع يقترح من خلاله جملة من مداخل العمل من أجل احتواء هذه الظاهرة في أفق القضاء عليها في مجتمعنا، وذلك مع الحرص على ضمان التوفيق بين احترام مقتضيات الدستور، لاسيما ما يتعلق بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية للأشخاص في وضعية تسول، دون أي تمييزٍ واحترام النظام والأمن العام.
وقد لاحظ المجلس علي ان المقاربة المعتمدة حاليا علي الصعيد الوطني في محاربة التسول غير ناجعة ( المقاربة الوقائية، التكفل الاجتماعي المقاربة ،الزجرية )
ويقترح المجلس :
• تعزيز آليات حماية الطفولة على صعيد المجالات الترابية (وحدات حماية الطفولة)
• حماية الأشخاص في وضعية هشاشة من الاستغلال في التسول من خلال تشديد العقوبات على الجنح والأفعال الجنائية التي يتم ارتكابها تحت غطاء التسول لاسيما ضد مستغلي النساء والمسنين والأشخاص في وضعية إعاقة.
• إعادة تأهيل و إدماج الأشخاص في وضعية تسول
• الوقاية من التسول من خلال تعزيز قدرة الأُسَر على الصمود اجتماعياً واقتصادياً وذلك عبر محاربة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية، وتحسين الولوج إلى الخدمات الصحية والتعليم والتكوين والشغل.

وفي الأخير يمكن القول ان القضاء او الحد من ظاهرة التسول يتطلب مقاربة شاملة منها ما هو زجري وتربوي وتعليمي لكونها معقدة وتتداخل فيها معظم القطاعات الحكومية الي جانب قطاع الاسرة والتضامن.

  • عبد الكريم الحساني

    Related Posts

    تقرير أمريكي يسلط الضوء على صداقة بدأت في 1777 بين المغرب والولايات المتحدة

    أبرز تقرير رسمي أمريكي صدر الأربعاء الطابع التاريخي والاستراتيجي للعلاقات التي تجمع المملكة المغربية بالولايات المتحدة الأمريكية، مشيرا إلى أن المغرب يعد أقدم صديق لواشنطن منذ أن بادر السلطان محمد الثالث…

    المزيد

    المغرب ضمن الدول العشر الأعلى تعرضا للكوارث الطبيعية

    كشف تقرير المؤشر العالمي للشمول المالي لعام 2025، الصادر عن البنك الدولي، أن المغرب يعد من بين الدول العشر الأكثر تعرضا للكوارث الطبيعية على مستوى العالم، إلى جانب بلدان مثل زيمبابوي…

    المزيد

    Leave a Reply

    Your email address will not be published. Required fields are marked *

    قد فاتك

    نشرة إنذارية.. موجة حر من الأحد إلى الثلاثاء بعدد من مناطق المملكة

    نشرة إنذارية.. موجة حر من الأحد إلى الثلاثاء بعدد من مناطق المملكة

    نادية بوهدود تكشف عن آخر تطورات مشروع المحطة الطرقية

    نادية بوهدود تكشف عن آخر تطورات مشروع المحطة الطرقية

    الطالبي العلمي ورئيس البرلمان الفيتنامي يجريان مباحثات ثنائية ويوقعان اتفاقية لتعزيز التعاون البرلماني

    الطالبي العلمي ورئيس البرلمان الفيتنامي يجريان مباحثات ثنائية ويوقعان اتفاقية لتعزيز التعاون البرلماني

    تارودانت..تدشين المركز الصحي القروي من المستوى الثاني بجماعة أحمر الكلالشة بعد تأهيله

    تارودانت..تدشين المركز الصحي القروي من المستوى الثاني بجماعة أحمر الكلالشة بعد تأهيله

    فرنسا تضع مزيدا من القيود والجزائر تهدد باللجوء إلى الأمم المتحدة

    فرنسا تضع مزيدا من القيود والجزائر تهدد باللجوء إلى الأمم المتحدة

    تدشين المنطقة الصناعية “أهل لغلام” بالدار البيضاء لخلق 4000 منصب شغل

    تدشين المنطقة الصناعية “أهل لغلام” بالدار البيضاء لخلق 4000 منصب شغل