إعداد: وديني مصطفي
القيم لغة هو جمع قيمة واصطلاحا هو مجوعة من المبادئ والمقاييس والمعايير التي تحكم أفكار الانسان ومعتقداته واتجاهاته وتؤثر في حياته. ومن خصائص هده القيم انها لا تتغير بسهولة وتشمل مختلف جوانب الحياة الإنسانية كما انها تترابط مع بعضها البعض وتشكل منظومة قيمية متكاملة.
ومن مصادر القيم هناك الدين والعائلة والمجتمع والتعليم. وتلعب القيم دورا مهما في بناء المجتمع، اذ:
•تساهم القيم في بناء مجتمع متماسك ومتعاون
•تعزز الشعور بالانتماء للمجتمع
تساهم في حل المشكلات المجتمعية
•تشجع على التنمية الإنسانية المستدامة
الا ان العالم يشهد اليوم تراجعًا مُلحوظًا للقيم في مختلف المجتمعات، وهي ظاهرةٌ معقدة تتشابك فيها العوامل الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية، تاركةً آثارًا سلبيةً تُهدد تماسك المجتمعات وتُعيق مسيرة التنمية.
وتعود جذور الأزمة الي عدة عوامل:
•تراجع دور الأسرة: تغيّرت أدوار أفراد الأسرة في ظلّ التطورات العصرية، ممّا أدّى إلى تراجع دورها في تربية النشء وغرس القيم الإيجابية لكون الإباء ينشغلون طول النهار بالعمل خارج المنزل مما يؤدي الي قلة الاهتمام بتربية الاطفال.
•تفاقم الفردية: ازدادت النزعة الفردية في المجتمعات الحديثة مع التطور التكنولوجي وتعاظم الانانية وحب الذات، مُضعفةً الشعور بالمسؤولية تجاه الآخرين والتضامن الاجتماعي.
•غياب القدوة الحسنة: قلة وجود القدوة الحسنة في المجتمع، خاصةً في ظلّ انتشار ظاهرة الفساد وضعف تطبيق القانون.
•التأثير السلبي لوسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي: تُساهم بعض البرامج التلفزيونية والأفلام في نشر قيم سلبية مثل العنف والجريمة والتشهير كما ان انتشار البرامج الترفيهية والألعاب تساهم في الابتعاد عن الواقع الحقيقي والمشاكل المطروحة.
•الفقر والبطالة: تُؤدّي ظاهرة الفقر والبطالة إلى انتشار ظواهر سلبية مثل السرقة والرشوة والفساد.
•التفاوت الطبقي: يُؤدّي اتساع الفجوة بين الطبقات الاجتماعية إلى الشعور بالظلم والتمييز، ممّا قد يُؤدّي إلى تفاقم السلوكيات السلبية.
ويبدو ان المغرب لم يسلم من هاته الظاهرة السلبية لانهيار القيم نظرا لانفتاحه على العالم وتأثره بما يجري من أحداث ومن بين الأدوات التي أدت الي هدا الانهيار انتشار التفاهة التي أصبحت تغزو مواقع التواصل الاجتماعي والاعلام والتلفزة حيت أصبح للتفاهة حضور قوي في مجتمعنا من خلال التدني الملحوظ للمواضيع المتداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي والتلفزة والاعلام لدرجة اننا يمكننا القول ان التفاهة اكتسحت جميع مناحي الحياة بدافع ثفافة البوز.
انشار التفاهة خطورة كبيرة
ويشكل انشار التفاهة خطورة كبيرة، بالنظر الى ابتعاد العموم والشباب بالخصوص عن القضايا الرئيسية للوطن بشكل فضيع لصالح “التفاهة، وهدا يحتم على الاعلام والصحافة الجادة وذات المصداقية اعادة الرأي العام الى القضايا الحقيقية والمشكلات المركزية، كما لا ننسى دور الجامعات والمدرسة والنخب المثقفة ومسؤوليتهم في انقاذ المغاربة من هذا السيل المنهمر من الاخبار التافهة والمعارك الهامشية التي تحجب القضايا الوطنية الحقيقية
وفي هدا الإطار أكد أساتذة جامعيون وخبراء من عوالم الفكر والثقافة والفن والصحافة والإعلام أن مواجهة “التفاهة” تمر أساسا عبر التربية والتعليم، وذلك من أجل خلق “مناعة ثقافية” لدى متتبعي محتويات وسائل التواصل الاجتماعي.
وقارب هؤلاء الباحثون والإعلاميون في لقاء فكري، نظمه نادي الصحافة بالمغرب والمركز المغاربي للدراسات والأبحاث في الإعلام والاتصال، بشراكة مع المعهد العالي للإعلام والاتصال تحت عنوان “محتوى وسائل التواصل الاجتماعي، ما بين حرية التعبير والتفاهة، خطوط التماس بين حرية التعبير والتفاهة “.
وأبرزوا أن وسائل التواصل الاجتماعي سرعت من وتيرة انتشار المعلومة، وهو ما أدى إلى توسيع نطاق انتشار “التفاهة” التي أضحت اليوم لدى فئة واسعة من المجتمع معيارا للنجاح.
ونتيجة لهدا الوضع أصبح التفكير سطحي لدى جزء كبير من المغاربة. فسابقا كان التفكير أعمق وكانت النقاشات الثقافية والفكرية ينخرط فيها المهتمون والمفكرون من جميع الاطياف والتيارات الفكرية والثقافية من قبيل محمد عابد الجابري، عبد الله العروي …. والآن أصبح سطحيا وأصبحت المعلومة بلا معنى، بلا تحليل ، وبلا تفكير وهذه هي مشكلة العصر الرقمي.
ويبدو أن العالم بسبب تمدد “نظام التفاهة” وتغولها في المجتمعات العالمية، صار ينقسم الي شطرين: الأول عالم جاد والتاني عالم تافه. كما يبدو أن الثاني بات طاغيا علي الأول الي حد كبير، لأنه يعتمد علي تصوير التافه علي انه قدوة أو مؤثر، وهو في الواقع ليس قدوة ولامؤتر بل مجرد تافه يبت الرداءة في المجتمع.
ولا تُلقى مسؤولية مواجهة تراجع القيم على عاتق جهة واحدة، بل هي مسؤولية مشتركة تقع على عاتق كلّ فردٍ في المجتمع .ومن خلال العمل الجادّ والتعاون البنّاء، يمكننا إعادة بناء مجتمعات قوية قائمة على القيم الإيجابية، كما ان للحكومة دور كبير في التصدي للتفاهة من خلال سن قوانين منع التشهير والاعمال الرديئة التي تخل بالحياء والنظام العام.









