الهدهد |
لعل المتتبع لشأن السياسي يلمس خفوت صوت المعارضة التي لم يعد يهز أركان مجلس النواب والمستشارين، ويحرك هواجس الأغلبية، ويزرع الخوف فيها من كل إجراء تتخذه لا يكون في صالح المواطن المقهور من سياستها. معارضة أضحت معارضة لنفسها، ولا تستطيع الالتفاف حول موقف محدد تفعل به المقتضيات الدستورية الممنوحة لها.
حين اختلفت في من يكون لها أولوية تقديم الملتمس أمام البرلمان كآلية دستورية قد تمنع الحكومة من مواصلة مهامها بعد تصويت الأغلبية المطلقة من أعضاء البرلمان، أي ما لا يقل عن 198 نائب ونائبة برلماني.
وقبل مرحلة التصويت، لا يكون هذا المعطى الدستوري قانونيا إلا بعد توقيع خمس أعضاء مجلس النواب على الملتمس، أي ما لا يقل عن 79 نائب ونائبة. وهذا العدد ممكن الوصول إليه بتوافق أحزاب المعارضة حسب عدد المقاعد المتحصل عليها في انتخابات 8 شتنبر 2021، والموزعة على الشكل التالي: المعارضة الاتحادية 35 مقعدا، الحركة الشعبية 29 مقعدا، التقدم والاشتراكية 21 مقعدا، المجموعة النيابية العدالة والتنمية 13 مقعدا. مما يمنح هذه الأحزاب أحقية تقديم ملتمس الرقابة حتى دون الحاجة إلى الاتحاد الدستوري المصطف لجانب الأغلبية والحاصل على 18 مقعد، وكذا النواب غير المنتسبين ومجموعهم 10 نواب.
أمام هذا الوضع وهذه الإمكانيات العددية التي تتيح للمعارضة تفعيل هذا الحق الدستوري الممنوح لها، كنا سنكون أمام حدث سياسي وامتحان ديمقراطي يعيد جزءا من البريق للحياة السياسية والخروج من ركود نخرها وزاد من تعزيز فقدان الثقة فيها. إن اختلاف المعارضة وإجهاضها ملتمس الرقابة لم يكن في الجوهر أو اختلاف في المضمون أكثر مما هو من سيكون لها فضل التقديم وسرقة أضواء الكاميرات وعدسة الصحافيين.
إن تاريخ الملتمسات الرقابية التي عرفها تاريخ المغرب، وحتى وإن لم تستطع بلوغ مرامها في حجب الثقة عن الحكومة، تبقى فعلا سياسيا محمودا يمتحن قدرة السياسي في المواجهة والدفاع عن وجهة نظره وتحريك النقاش العمومي وتحريره من الجمود والركود، وكذا فرصة لزيادة وحشد كتلة انتخابية إضافية لكلا الطرفين أغلبية ومعارضة.
إن الملتمس الذي تقدم به حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ضد حكومة باحنيني في 1964، حيث تم تأييده ب 60 صوتا مقابل معارضة الملتمس ب 84 صوتا، مما لم يمنح ملتمس الرقابة قوة إسقاط الحكومة.
وقد عرف المغرب خلال سنة 1990 نفس الحدث في عهد حكومة عزالدين العراقي، حين قدم كل من حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوة الشعبية والتقدم والاشتراكية (أحزاب الكتلة)، إضافة لمنظمة العمل الديمقراطي الشعبي ملتمسا لرقابة استغرقت مناقشته 25 ساعة، لكن لم يكتب له النجاح على غرار سابقه سنة 1964، حيث صوت عليه بالرفض ب 200 صوت مقابل تأييد 82 صوتا.
بهذا تكون المعارضة في تاريخها نجحت في تقديم ملتمسين فقط، رغم رفضهما، لكن تبقى قوتهما من الناحية السياسية قوية وتعطي كذلك دروسا في التدافع السياسي وترفع عنه حرج الجمود.
وفي زمننا هذا وخلال ولاية عزيز أخنوش، لم تستطع المعارضة لم شملها وإنجاح تنزيل ملتمس الرقابة من خلال مبادرة المعارضة الاتحادية سنة 2024، حين تخلت المعارضة عنه، وجددت المبادرة 2025 واختلف فمن سيقوم بتقديمه. مما عجل بنسف المبادرة وإجهاد ملتمس الرقابة في مهده قبل مناقشته لحشد أصوات أخرى من









