اخبال لحكايه

مراكش – نشوان محمد

صغيرا كنت و كان أبي ينسج تذكارات تقليدية للأجانب ، أبيعها بكل اللغات ، لم أعرف متى وكيف تعلمت الفرنسية والاسبانية والإنجليزية ولغات أخرى ، لم ألج مدرسة بعد ومع ذلك ..
أطفال مراكش يتكلمون كل اللغات ، ويتقنون كل اللهجات ، وتبقى ساحة جامع الفنا مدرسة لكل المهمشين ، الضائعين ، الباحثين عن لقمة عيش…
كان هناك إتفاق أو لنقل شبه إتفاق مبدئي ، بيني والوالد ، آخذ بموجبه خمسة دراهم عن كل تذكار أقنع السائح بشرائه . دراهم أبي رغم هزالتها فتحت لي العين على ملذات الحياة ، فصرت لا أميز بين حلالها و حرامها …
ملحوظة لابد من ذكرها ، أبي كان يحاول ـ من حين لآخر ـ أن يخدعني عند تصفية الحساب ، ظنا منه أني لا أتقن حساب ما فوق الرقمين … أمثل دور الساذج بإتقان فينهار ويسقط بسهولة في شباكي .
معمل أبي الصغير ، مشيد ـ بشكل كاريكاتوري ـ هندسة لا مثيل لها ، مقارنة بكل أنواع التصاميم في العالم ، إنه أشبه بفطر بري ظهر ذات صباح في هذا الحي الشعبي الموغل في القدم . أمصفح القريب من الولي الصالح سيدي عبد العزيز التباع .
حاولت معرفة أصل التسمية ، لكن دون جدوى ، لا وجود في هذا الكهف الصغير لأي شيء يحفظ كرامتنا …
كبرت في هذا الفضاء ، و كبر طيشي و معرفتي بأمور كثيرة ، وبدت لي مراكش ، الساحرة ، الفاتنة ، كعاهرة تفتح أبوابها لكل العابرين و الضائعين …
جنسيات كثيرة مرت من هنا ، و كان أبي سيد زمانه في صنع هذه الهدايا ، من بقايا الخيوط المهملة ، حيث كان يمسك ما فضل من السدى و لخبال ، و يجتهد في جمعها وربط بعضها ببعض ، و تشبيكها لتشكيل لوحة إبداعية رائعة ، و يفتخر كثيرا لكون هذه التذكارات مسجلة باسمه .
الأجانب يقدرون العمل اليدوي ، و يهتمون بهذه التحف ، و التي يتم صنعها أمام أعينهم ، يلتقطون صورا للمنتوج ، وهو قيد التصنيع ثم تكتمل فرحتهم عندما يصبح بين أيديهم …
أذكر ذات صيف ، حلت عندنا أسرة فرنسية ، المرأة الحامل وزوجها و ابنتهما ، إقتنوا مجموعة مهمة من الهدايا ، كان المكسب كبيرا ، أخذنا صورا تذكارية بجانبهم ، و حتى يعبر أبي عن فرحته و سعادته ، فقد أعد لهم شايا على الطريقة المغربية . تتكلم معي الفرنسية الحامل ، أعجبتها لكنتي ، أعجبني شكل بطنها ، تلمس يدي من حين لآخر، يدها ناعمة وهادئة ، ويدي خشنة و خجولة . كم عشقت وقتها لمس بطنها ، إحساس جميل هذا الذي أشعر به كلما فكرت في الأمر.
أتخيل اليد الخجولة ـ يدي ـ تلامس البطن الناعم ـ بطن الفرنسية ـ و تحدث تلك الدغدغة الغريبة ، أتخيل حركات الجنين و هو ينفلت من ارتعاشات اليد و إحساسه بأن جسما غريبا يقض مضجعه و يعكر صفو إقامته المؤقتة ، فيصير الجنين سمكة ، وبطن الأم بحرا ، و أنا التائه المشتعل والمنشغل ، الباحث عن المحار في أعماق البحار . إحساس أكثر من رائع …
كل الأجناس البشرية تعرفنا عليها في هذا المعمل الصغير ، وكل كلمات الترحيب والإطراء واحترام الغير ، تعلمناها هنا ، لم نكن في حاجة إلى معلم لغات ، ولا كتب صفراء تعلمنا كيف نتكلم في خمسة عشر يوما ، هي الممارسة فقط و ربما هي الحاجة …
حتى أبي وفي غيابي ، يتفوه ببعض التعابير الأجنبية ، وبشكل يدعو للضحك ، يتكلم اللغة دون معرفة ماهيتها ، يبيع منتوجه حتى بالإشارات إن اقتضى الحال ، دون الحاجة إلى خدماتي المؤدى عنها سلفا…
يقول أبي ـ والله أعلم ـ أن نبي الله إلياس ، كان نساجا ، ناسكا ، متوحدا وزاهدا في الدنيا ، ذاق لذة اللقاء مع الله ، وعاش في كهف أعلى الجبل ، يلبس جبة صوفية ، كان هو صانعها ، وهي معروضة الان في متحف غربي ، في بلاد بعيدة ،ولا أصدق هذه الرواية لعدة اعتبارات لاداعي لذكرها الان ، وأكتفي بالقول بأن أبي غالبا ما يجمعنا حوله ، ويحكي لنا عن بطولات وملاحم زائفة ، أحيانا كثيرة يكون هو بطلها ، ونبقى مندهشين لطريقة سرده ونسجه حتى يغالبنا النوم دون معرفة أصل وفصل الحكاية …
فقط يختمها بلازمته المعهودة :
ومشات حجايتي مع الواد الواد و بقينا مع لجواد …

  • Related Posts

    تبون وشنقريحة خصمان تتمنى أن يكون كل خصومك مثلهما وألا يكون بين حلفائك من يشبههما

    بقلم: باحدة عبد الرزاق في لحظة دقيقة من التحولات الجيوسياسية الإقليمية والدولية، تسجل ملامح تفكك نسق دبلوماسي جزائري دخل مرحلة الانحدار المزمن، بعدما بات عاجزا عن صياغة موقف عقلاني متزن أو…

    المزيد

    إنزكان.. ألم يان لمدار ” سيدي فارس ” أن ينعم بأضواء المرور ؟ واسألوا “أهل ضاما” إن كنتم لا تعلمون!!

    بوطيب الفيلالي | مدار سيدي فارس، المعروف بالجماعة الحضرية للدشيرة ، هو مدار يعاني الاكتظاظ المروري بسبب موقعه، المنفتح على مناطق من أكادير والدشيرة وإنزكان. لهذا فمستعملوه من السائقين، عادة ما…

    المزيد

    Leave a Reply

    Your email address will not be published. Required fields are marked *

    قد فاتك

    نشرة إنذارية.. موجة حر من الأحد إلى الثلاثاء بعدد من مناطق المملكة

    نشرة إنذارية.. موجة حر من الأحد إلى الثلاثاء بعدد من مناطق المملكة

    نادية بوهدود تكشف عن آخر تطورات مشروع المحطة الطرقية

    نادية بوهدود تكشف عن آخر تطورات مشروع المحطة الطرقية

    الطالبي العلمي ورئيس البرلمان الفيتنامي يجريان مباحثات ثنائية ويوقعان اتفاقية لتعزيز التعاون البرلماني

    الطالبي العلمي ورئيس البرلمان الفيتنامي يجريان مباحثات ثنائية ويوقعان اتفاقية لتعزيز التعاون البرلماني

    تارودانت..تدشين المركز الصحي القروي من المستوى الثاني بجماعة أحمر الكلالشة بعد تأهيله

    تارودانت..تدشين المركز الصحي القروي من المستوى الثاني بجماعة أحمر الكلالشة بعد تأهيله

    فرنسا تضع مزيدا من القيود والجزائر تهدد باللجوء إلى الأمم المتحدة

    فرنسا تضع مزيدا من القيود والجزائر تهدد باللجوء إلى الأمم المتحدة

    تدشين المنطقة الصناعية “أهل لغلام” بالدار البيضاء لخلق 4000 منصب شغل

    تدشين المنطقة الصناعية “أهل لغلام” بالدار البيضاء لخلق 4000 منصب شغل