م. البشيري – ع٠ السباعي – وكالة الأنباء المغربية
أي تدبير لقطاع توزيع الماء و الكهرباء خارج الإطار الذي رسمه القانون التنظيمي يعد مخالفة دستورية
عادة ما يتطلب الوصول إلى الصيغة النهائية من مشاريع القوانين طرح سلسلة من النسخ الأولية للنصوص والتشريعات المقترحة، والتي يتم مناقشتها باستشارة خبراء في القانون مع إجراء تعديلات عليها اذا اقتضى الحال حتى لا تتعارض مع إرادة المشرع و القاعدة القانونية، بغرض الوصول إلى النسخة الأكثر توافقية. لكن هذا ما لم يحدث مع مشروع القانون الذي صادق عليه المجلس الحكومي.
مشروع القانون الذي صادق عليه المجلس الحكومي يتعلق باحداث شركة مساهمة على صعيد كل جهة يتمثل غرضها الرئيسي في تدبير مرفق الماء الصالح للشرب والكهرباء و التطهير السائل و الإنارة العمومية عند “الاقتضاء” أو تتبع تدبير هذا المرفق بعد موافقة صاحب المرفق، حيث يمكن في الحالة الاخيرة أن تعهد الشركات الجهوية المتعددة الخدمات لأشخاص إعتباريين خاضعين للقانون الخاص بموجب عقود ببعض من المهام الموكولة إليها
ولعل مفهوم وكلمة عند “الاقتضاء” الوارده أعلاه من شأنها لا محالة أن تفرز عدة تاويلات بخصوص المرفق أو المرافق المعنية بها، وهو ما قد يحيل الى عدم تحري الدقة في تحديد المرفق والخروج عن دائرة الحصر.
وتجدر الإشارة إلى أن قطاع الماء الشروب و الكهرباء يدبر حاليا عبر إحدى الاليات لاولى الوكالات المستقلة و الثانية المكتب الوطني للكهرباء و الماء الصالح للشرب والثالثة التدبير المفوض.
مشروع القانون الذي تقدمت به الحكومة و الذي من المنتظر أن يعرض على مجلس النواب في إطار استكمال المسطرة التشريعية المتعلقة بالمناقشة البرلمانية تضمن آلية جديدة في تدبير مرفق عمومي ترابي سبق للقانون التنظيمي المتعلق بالجماعات والذي يعتبر وثيقة تشريعية أسمى من القانون العادي بحكم الدستور “أن نص في الفقرة الاولى من المادة 83 على انه تقوم الجماعة باحداث و تدبير المرافق و التجهيزات العمومية اللازمة لتقديم خدمات القرب” في الميادين التالية :
- توزيع الماء الصالح للشرب والكهرباء
- النقل االعمومي والحضري
- الانارة االعمومية
الى غير ذلك من المرافق، وحيث يستشف من النص التنظيمي الذي يعد وثيقة مكملة للوثيقة الدستورية، أن مرفق الماء والكهرباء والتطهير الإنارة العمومية يحدث و يدبر من طرف الجماعات و أن أي تدبير خارج الإطار الذي رسمه القانون التنظيمي يعد مخالفة دستورية إعتبارا من جهة كون القانون التنظيمي. في حين القانون التنظيمي للجماعات لم يرد في مادته 83 الفقرة الاولى آية إشارة لما سمي بالشركات الجهوية للتوزيع.
سبق للمجلس الدستوري أن صرح بمطابقة المادة 83 للدستور، من خلال القانون القرار رقم 968.15 ومن جهة أخرى الفصل السادس من دستور المملكة في فقرته الثالثة التي تنص على أنه ( تعتبر دستورية القواعد القانونية و تراتبيتها ووجوب نشرها مبادئ ملزمة). وبناء عليه يمنع إقرار أو إصدار او تنفيذ أو تطبيق أي نص مخالف لتشريع أسمى.
إحترام الدستور و تراتبية القواعد القانونية يقتضيان ملاءمة النصوص التشريعية في إطار الانسجام التشريعي الذي يعتبر مبدأ دستوريا أكده القضاء المغربي في قرار المحكمة الدستورية رقم 66.17 كما ان السلطة التشريعية و التنفيذية و القضائية ملزمة باحترام تراتبية القواعد القانونية
و هذا يعني عدم دستورية المشروع الذي تقدمت به الحكومة في ظل قانون أسمى يمنع تدبير القطاع خارج ما نصت عليه الفقرة الاولى من المادة 83 من القانون التنظيمي للجماعات بحيث يتعين تجميد المناقشة البرلمانية على مشروع القانون رقم 83.21 الى حين تعديل المادة 83 من القانون التنظيمي للجماعات
و في هذا الإطار اشار أستاذ التعليم العالي بكيلة القانون المحمدية (ج- لعسري) الى أن القانون التنظيمي للجماعات كان واضحا بخصوص المكتب الوطني للكهرباء و الماء الصالح للشرب حيث انه لم ينص على إمكانية تدبير المرفق من قبل المكتب الذي بقي يحتفظ باختصاصاته الأخرى غير اختصاصات توزيع الماء الشروب و الكهرباء، و تجدر الإشارة الى ان القانون التنظيمي للجماعات دخل حيز التنفيذ في سبتمبر من سنة 2015 و مع ذلك فإن استمرار تدبير مرفق توزيع الماء الصالح للشرب و الكهرباء لم يكن منسجما مع إرادة المشرع كما عبرت عنها الفقرة الاولى من المادة 83.
بخلاف الوكالات المستقلة كمؤسسات عمومية ترابية التي تبقى الآلية الأقرب للتصور الذي وضعه القانون التنظيمي للجماعات باعتبارها مرفقا يحدث من قبل الجماعات.
ويضيف المتحدث في ذات السياق، أن التدبير المفوض كآلية لتدبير المرافق العمومية الترابية من قبل الأشخاص الاعتباريين الخاضعين للقانون الخاص، يجد سنده الدستوري فقط في الفقرة الثانية من المادة 83 من القانون التنظيمي للجماعات، بحيث يمكن اللجوء لهذا النمط التدبيري في المرافق الآتية :
-أسواق البيع بالجملة
-المجازر و الذبح و نقل اللحوم
-اسواق بيع السمك
وهي المرافق ذاتها التي سمح فيها المشرع للجماعات بامكانية إشراك فاعلين من القطاع العام أو الخاص في إحداثها و تدبيرها كما منح للجماعات إمكانية اعتماد سبل التحديث في التدبير المتاحة كالتدبير المفوض ،احداث شركات التنمية المحلية او التعاقد.
و على الرغم من المنع الوارد في الفقرة الأولى بخصوص توزيع الماء الشروب و الكهرباء، نجد المشروع الذي صادق عليه المجلس الحكومي قبل بامكانية التعاقد مع الأشخاص الاعتباريين الخاضعين للقانون الخاص من خلال المادة العاشرة من المشروع.
وللإشارة ، فإن المشروع تناول مواضيع لا تدخل ضمن اختصاصاته، بل وأوغل في ذلك حيث تطرق لمسألة الاعفاء الضريبي المشار إليه في الفقرة الاخيرة من المادة 14، علما أن قانون المالية لسنة 2007منع إمكانية تضمين مقتضيات ضريبية خارج المدونة العامة للضرائب.









