المصالحة في عهد الملك محمد السادس.. مسار ملكي لترسيخ العدالة والتعايش

بقلم: باحدة عبد الرزاق

في سياق السلسلة التي تنشرها وكالة الأنباء المغربية تحت عنوان “عهد محمد السادس.. من البيعة إلى الريادة”، بمناسبة الذكرى السادسة والعشرين لتربع صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله على عرش أسلافه الميامين، وبعد أن تطرقنا في الحلقات السابقة إلى نشأة جلالته وتقلده مسؤولية الحكم، ثم إلى مؤسسة إمارة المؤمنين، فالبيعة باعتبارها عنوانا للشرعية السياسية والدينية، نخصص هذه الحلقة الرابعة لموضوع المصالحة، باعتبارها إحدى أبرز مميزات المشروع الملكي في ترسيخ دولة الحق والقانون، وتعزيز قيم التعايش والسلم الاجتماعي.

منذ اعتلائه العرش، أطلق صاحب الجلالة الملك محمد السادس نهجا جريئا وغير مسبوق في العالم العربي، تمثل في تبني خيار العدالة الانتقالية كسبيل لطي صفحات مؤلمة من التاريخ الحقوقي والسياسي للمملكة. فقد أعلن جلالته منذ البداية عن انخراطه الصريح في عملية مصالحة تاريخية تقوم على كشف الحقيقة وجبر الضرر وحفظ الكرامة، فكانت هيئة التحكيم المستقلة، ثم هيئة الإنصاف والمصالحة سنة 2004، أول آلية رسمية للعدالة الانتقالية في المنطقة، مكرسة بذلك إرادة ملكية واضحة في مواجهة الماضي بصدق ومسؤولية.

لم يكن هذا الخيار مجرد لحظة رمزية، بل مسارا مؤسسيا تواصل بإحداث المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، الذي تطور إلى المجلس الوطني لحقوق الإنسان، وفق المعايير الدولية، ومرجعية مبادئ باريس. وقد واكب هذا التحول توسيعا ملحوظا في الحريات العامة، وعودة المنفيين، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وتعويض الضحايا ماديا ومعنويا، مع إطلاق برامج الإدماج وإعادة التأهيل.

وإلى جانب هذا المسار الحقوقي المؤسساتي، اختار الملك محمد السادس أن يجعل من سياسة العفو ركيزة أساسية لترسيخ ثقافة التسامح، حيث اتسمت قرارات العفو الملكي، خلال أزيد من ربع قرن، بالجرأة والبعد الإنساني، مستهدفة النزلاء المرضى والمسنين، وأولئك الذين أبدوا حسن السيرة، كما شملت في عدة مناسبات معتقلين سابقين في قضايا سياسية أو مرتبطة بالتطرف، في إشارة واضحة إلى الرغبة في تجاوز الماضي وتعزيز اللحمة الوطنية.

وقد تجلى هذا البعد بشكل خاص في العفو الذي صدر سنة 2011 عن معتقلين في إطار ما يعرف بخلية بلعيرج، ثم في 2012 حين شمل العفو ثلاثة سلفيين بارزين، وفي 2017 مع معتقلين في قضايا إرهابية استفادوا من برنامج “مصالحة”، ثم في 2020 حين أفرج عن مجموعة من معتقلي “حراك الريف”، وأيضا في عيد الفطر 2024 حين شمل العفو 18 شخصا بعد مراجعة فكرية صريحة ونبذهم للتطرف، وكثيرة هي الأمثلة..

هذا التوجه وجد تعبيرا عمليا ومؤسساتيا في التوقيع، يوم 2 نونبر 2023، على اتفاقية إحداث مركز مصالحة بمقر الرابطة المحمدية للعلماء، بمشاركة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، والمندوبية العامة لإدارة السجون، والرابطة المحمدية، ومؤسسة محمد السادس لإعادة الإدماج، والوزارة المنتدبة للميزانية. يهدف هذا المركز إلى تأهيل السجناء المدانين في قضايا الإرهاب، وتوفير إطار مؤسساتي يعزز فعالية الشراكة من أجل إعادة إدماجهم وفق قيم الوسطية والانتماء الوطني.

وقد وصلت هذه التجربة، التي انطلقت منذ 2017، إلى دورتها السادسة عشرة، حيث استفاد منها إلى اليوم 364 نزيلا، بعد إعلانهم توبتهم ونبذ العنف وتشبثهم بثوابت الأمة ومؤسساتها، ما يجعل من البرنامج نموذجا فريدا في العالم العربي والإسلامي في مجال معالجة ظاهرة التطرف بأساليب الإدماج والمصالحة بدل الإقصاء والعقاب فقط.

من خلال كل هذه المبادرات، يتجلى البعد القيمي والروحي في مشروع المصالحة الذي أطلقه جلالة الملك، والذي لا يستند فقط إلى منطق القانون، بل إلى رؤية متكاملة تستلهم من مقام إمارة المؤمنين، ومن قيم الإسلام الحنيف، مبادئ الرحمة والصفح والتوبة. وهو ما عبر عنه جلالته بوضوح في خطابه أمام قداسة البابا فرانسيس في مارس 2019، حين قال: “إن الله غفور رحيم. وبما أن الرحمة من صفاته تعالى، فقد جعلنا السماحة والعفو والرأفة في صلب عملنا.”

إن المصالحة في عهد محمد السادس ليست حدثا من الماضي، بل ورشا مستمرا، تتجدد أبعاده من معالجة تركة الانتهاكات إلى محاربة التطرف، ومن العفو إلى الإدماج، ومن التسامح إلى بناء مجتمع متماسك، يجمع بين احترام القانون والرحمة في تطبيقه. وبذلك، يكون جلالة الملك قد أرسى نموذجا فريدا في ممارسة السلطة، يجعل من قيم العفو والتسامح والكرامة جوهر مشروعه الإصلاحي، وركيزة من ركائز ريادة المغرب في محيطه الإقليمي والدولي.

  • Related Posts

    الملك محمد السادس.. ستة وعشرون سنة من ترسيخ الجهوية المتقدمة كخيار استراتيجي لبناء مغرب الغد

    بقلم: باحدة عبد الرزاق منذ اعتلائه عرش أسلافه الميامين في 30 يوليوز 1999، جعل جلالة الملك محمد السادس نصره الله من إعادة هيكلة الدولة المغربية ورشا استراتيجيا لا غنى عنه لتحديث…

    المزيد

    الملك محمد السادس.. ستة وعشرون سنة من الدبلوماسية الرصينة في خدمة القضايا الوطنية والدولية

    بقلم: باحدة عبد الرزاق في إطار سلسلة “عهد محمد السادس.. من البيعة إلى الريادة”، وبمناسبة الذكرى السادسة والعشرين لتربع جلالة الملك محمد السادس نصره الله على عرش أسلافه الميامين، نستعرض اليوم…

    المزيد

    Leave a Reply

    Your email address will not be published. Required fields are marked *

    قد فاتك

    نشرة إنذارية.. موجة حر من الأحد إلى الثلاثاء بعدد من مناطق المملكة

    نشرة إنذارية.. موجة حر من الأحد إلى الثلاثاء بعدد من مناطق المملكة

    نادية بوهدود تكشف عن آخر تطورات مشروع المحطة الطرقية

    نادية بوهدود تكشف عن آخر تطورات مشروع المحطة الطرقية

    الطالبي العلمي ورئيس البرلمان الفيتنامي يجريان مباحثات ثنائية ويوقعان اتفاقية لتعزيز التعاون البرلماني

    الطالبي العلمي ورئيس البرلمان الفيتنامي يجريان مباحثات ثنائية ويوقعان اتفاقية لتعزيز التعاون البرلماني

    تارودانت..تدشين المركز الصحي القروي من المستوى الثاني بجماعة أحمر الكلالشة بعد تأهيله

    تارودانت..تدشين المركز الصحي القروي من المستوى الثاني بجماعة أحمر الكلالشة بعد تأهيله

    فرنسا تضع مزيدا من القيود والجزائر تهدد باللجوء إلى الأمم المتحدة

    فرنسا تضع مزيدا من القيود والجزائر تهدد باللجوء إلى الأمم المتحدة

    تدشين المنطقة الصناعية “أهل لغلام” بالدار البيضاء لخلق 4000 منصب شغل

    تدشين المنطقة الصناعية “أهل لغلام” بالدار البيضاء لخلق 4000 منصب شغل