الولايات المتحدة تعلن وقف إطلاق نار شامل بين إيران وإسرائيل بعد 12 يوما من المواجهات

أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحقيق اتفاق شامل لوقف إطلاق النار بين إيران وإسرائيل بعد مواجهات عسكرية استمرت اثني عشر يوما، وذلك في أعقاب رد إيراني مباشر على الولايات المتحدة تمثل في عملية عسكرية مشتركة بين القوات المسلحة الإيرانية والحرس الثوري استهدفت قواعد أمريكية في قطر تحت مسمى “عملية بشائر الفتح”.

رغم الإعلان الرسمي عن وقف الأعمال العدائية، أكد وزير الخارجية الإيراني استمرار العمليات ضد إسرائيل حتى اللحظة الأخيرة، مشيرا إلى سقوط أربعة قتلى واثنين وعشرين مصابا مع خسائر مادية كبيرة في منطقة بئر السبع وفقا لتقارير إعلامية إسرائيلية.

يمثل هذا التطور نتيجة منطقية للتدخل الأمريكي، حيث تبدو عدم رغبة واشنطن في غزو إيران واضحة لاعتبارات استراتيجية متعددة، أبرزها المساحة الشاسعة للبلاد التي تبلغ مليون وستمائة ألف كيلومتر مربع والتي تتطلب نشر أكثر من مائتي ألف عسكري لتغطيتها بفعالية.

تلقي التجربة العراقية بظلالها على القرار الأمريكي، حيث استخدمت الولايات المتحدة مائة ألف جندي في غزوها للعراق، وهي تجربة ما زالت راسخة في ذاكرة صناع القرار والرأي العام الأمريكي بسبب الخسائر البشرية بالآلاف والتكلفة المالية التي تجاوزت ثلاثة آلاف مليار دولار، مما يجعل الخسائر المحتملة في حالة دخول إيران أضعافا مضاعفة.

في حالة عدم توقف هذه المواجهات، كانت الولايات المتحدة ستلجأ إلى الهجمات الجراحية الدقيقة عبر ضربات صاروخية جوية وبحرية من القواعد العسكرية المحيطة بإيران، مستهدفة المراكز الاقتصادية الحيوية والعسكرية والموانئ والطرق والسكك الحديدية، مما قد يعيد إيران قرونا إلى الوراء كما حدث في العراق وأفغانستان ويساهم في سقوط النظام الحاكم.

إلى جانب هذه الضربات، كان من المحتمل اعتماد إنزال للقوات الخاصة الأمريكية للمحطات النووية، خاصة المفاعل الأكبر في بوشهر بميناء بندر عباس على الخليج العربي، حيث لا يمكن للولايات المتحدة أو إسرائيل المغامرة بتفجيره نظرا للانعكاسات السلبية المحتملة، إذ قد تصل إشعاعاته إلى كامل المجال الإقليمي ومصر وأفريقيا، مما يستدعي تحييده عبر التفكيك.

يمكن وصف الهجوم الإيراني الرمزي بأنه لا يخرج عن قاعدة الخمسينيات في العالم العربي، والتي تتمثل في عدم توازن الشعارات الفضفاضة مع القدرات العسكرية والتنموية الفعلية، كما حدث في تجارب مصر عبد الناصر وليبيا القذافي والعراق تحت صدام حسين، وهو نموذج يتكرر في التجربة الإيرانية حاليا.

لوحظ كيف تعرضت إيران لضربات قضت على كبار القيادات العسكرية والمخابراتية والأمنية، وكيف كانت ردود الفعل محسوبة تتنافى مع شعارات القضاء على إسرائيل. يبدو أن توجيه الصواريخ إلى قاعدة العديد يحمل رسالة الجنوح إلى السلم، حيث أنه لو كانت لطهران رغبة حقيقية في مواجهة الولايات المتحدة، لوجهت صواريخها إلى الأسطول الأمريكي الموجود على مقربة من حدودها الإقليمية.

يتضح أن التوجه الإيراني هو الرغبة في الحفاظ على ماء الوجه من خلال مخرج توقيع اتفاق سلام ونزع كل المفاعلات النووية ومراكز التخصيب مقابل السماح للنظام بالاستمرار. التحليلات تشير إلى أن طهران لا تعمل على استنزاف إسرائيل، وهو ما يظهر جليا في تصريحات قيادتها السياسية والعسكرية من خلال البحث عن مفاوضات وحل دبلوماسي، رغم أن نتنياهو شن عدوانا خارج القواعد القانونية والمواثيق الدولية.

المتوقع هو تقديم تنازلات تحفظ ماء الوجه، مثلما وقع عندما وقع الخميني اتفاقية وقف إطلاق النار مع العراق قائلا “تجرعت كأس سم”، من قبيل التوقيع على استسلام يتضمن تسليم المفاعلات النووية وعدم العودة لتخصيب الأورانيوم أو إغلاق المفاعلات بشكل نهائي.

تسعى إيران من خلال الضربات المحدودة إلى المحافظة على توازنها أمام شعبها وإلا ستفقد شروط وجودها، ولضمان مساندة القاعدة الصلبة المتمثلة في الميلشيات التابعة للحرس الثوري والأشخاص العقائديين، إذ أن فقدان الثقة سيوضح أن النظام لا يملك قوة توازي شعاراته.

المنظومة الغربية لا ترغب في إسقاط النظام الإيراني لما يقدمه من منافع، حيث توظفه كفزاعة وخطر يهدد دول الخليج التي تتعرض للابتزاز وتقديم منافع لفائدة الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية، كما فعل ترامب مؤخرا.

التقديرات تشير إلى أن توجيه ضربات إيرانية لقواعد عسكرية أمريكية قد يقلب كل التكهنات ويفرض وضعا جديدا، لأن ترامب لن يجازف بالرد حتى لا يغرق في وحل طهران كما وقع للولايات المتحدة الأمريكية في العراق وأفغانستان، مما سيؤثر على السلم والأمن الدوليين وبروز أزمات على المستويين الطاقي والمالي كارتفاع أسعار النفط.

التحليلات تكشف أن نتنياهو لم يكن يتوقع أن تستمر الضربات اثني عشر يوما، مستحضرا ما كانت حققته تل أبيب في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي من انتصارات في ساعات أو أيام، مما جعلها تستنجد بالولايات المتحدة الأمريكية لتدمير المفاعلات النووية الإيرانية أو منع الصواريخ من الوصول إلى عمق إسرائيل باختراقها الدفاع الجوي.

هذا التدخل الأمريكي قلب موازين القوى لكنه لم يحسم المعركة، لأن إيران ما زالت تستهدف تل أبيب وحيفا وأسدود وبئر السبع بصواريخ بعيدة المدى تحمل رؤوسا متفجرة. أكدت إيران أن مفاعلاتها النووية لم يتم تدميرها كلية وأن ما لحق بها طفيف، لأنها نقلت اليورانيوم المخصب من المناطق المستهدفة إلى مناطق أخرى، وهذا فيه إشارة إلى أن طهران لن تعلن عن استسلامها كما تريد أمريكا وإسرائيل.

بالنسبة لإسرائيل، فإن توقف الحرب دون تحقيق الأهداف يمثل انهزاما لها. التداعيات كانت مدمرة لكلا الطرفين، لكن استمرار هذه التحركات العدوانية دون تحرك الآلة الدبلوماسية ستكون له مآلات وخيمة على المنطقة التي صمتت دولها خاصة الخليجية، لأن هذه المعركة لها علاقة بنفوذ إقليمي ودولي، مما يفرض تعزيز المبادرات السلمية لتجنب بروز التحديات المتمثلة في عودة الجماعات التي تنشط في ليبيا وجنوب الصحراء وتنامي ظاهرة الهجرة.

  • Related Posts

    فرنسا تضع مزيدا من القيود والجزائر تهدد باللجوء إلى الأمم المتحدة

    تفاقمت حدة التوتر بين فرنسا والجزائر، بعدما أعلنت باريس عن فرض قيود جديدة على تحركات الدبلوماسيين الجزائريين فوق أراضيها، في خطوة اعتبرتها وزارة الداخلية الفرنسية تطبيقًا لمبدأ المعاملة بالمثل، بالنظر إلى…

    المزيد

    تبون وشنقريحة خصمان تتمنى أن يكون كل خصومك مثلهما وألا يكون بين حلفائك من يشبههما

    بقلم: باحدة عبد الرزاق في لحظة دقيقة من التحولات الجيوسياسية الإقليمية والدولية، تسجل ملامح تفكك نسق دبلوماسي جزائري دخل مرحلة الانحدار المزمن، بعدما بات عاجزا عن صياغة موقف عقلاني متزن أو…

    المزيد

    Leave a Reply

    Your email address will not be published. Required fields are marked *

    قد فاتك

    نشرة إنذارية.. موجة حر من الأحد إلى الثلاثاء بعدد من مناطق المملكة

    نشرة إنذارية.. موجة حر من الأحد إلى الثلاثاء بعدد من مناطق المملكة

    نادية بوهدود تكشف عن آخر تطورات مشروع المحطة الطرقية

    نادية بوهدود تكشف عن آخر تطورات مشروع المحطة الطرقية

    الطالبي العلمي ورئيس البرلمان الفيتنامي يجريان مباحثات ثنائية ويوقعان اتفاقية لتعزيز التعاون البرلماني

    الطالبي العلمي ورئيس البرلمان الفيتنامي يجريان مباحثات ثنائية ويوقعان اتفاقية لتعزيز التعاون البرلماني

    تارودانت..تدشين المركز الصحي القروي من المستوى الثاني بجماعة أحمر الكلالشة بعد تأهيله

    تارودانت..تدشين المركز الصحي القروي من المستوى الثاني بجماعة أحمر الكلالشة بعد تأهيله

    فرنسا تضع مزيدا من القيود والجزائر تهدد باللجوء إلى الأمم المتحدة

    فرنسا تضع مزيدا من القيود والجزائر تهدد باللجوء إلى الأمم المتحدة

    تدشين المنطقة الصناعية “أهل لغلام” بالدار البيضاء لخلق 4000 منصب شغل

    تدشين المنطقة الصناعية “أهل لغلام” بالدار البيضاء لخلق 4000 منصب شغل