في خطوة سياسية جريئة تعكس إرادة مالية صلبة في بسط سيادتها وإعادة بناء وحدتها الوطنية، شرعت السلطات الانتقالية في باماكو في اعتماد ميثاق جديد للسلام والمصالحة، واضعةً حداً لاتفاق الجزائر المبرم سنة 2015، والذي لم يعد يواكب التحولات العميقة التي تعرفها البلاد، خاصة في ظل تصاعد التهديدات الأمنية وتنامي التدخلات الخارجية، وفي مقدمتها النظام العسكري الجزائري الذي ما فتئ يغذي الانقسامات ويدعم الحركات المسلحة شمال البلاد.

الميثاق، الذي حمل اسم “الميثاق الوطني للسلام والمصالحة والتماسك الوطني”، جاء نتاج حوار وطني موسع انطلق منذ يناير 2025 بمشاركة فعالة من المكونات السياسية والاجتماعية والمجتمع المدني، إضافة إلى ممثلين عن الجاليات المالية بالخارج. وقد أُطلقت يوم 20 يوليوز 2025 بباماكو أشغال إعادة صياغة النص في مركز المؤتمرات الدولي تحت إشراف رئيس الوزراء اللواء عبد الله مايغا، استعداداً لعرضه على الرئيس الانتقالي العقيد أسيمي غويتا يوم 22 يوليوز.
يتكوّن المشروع من ديباجة و16 عنواناً و39 فصلاً و105 مادة، وينبني على دستور مالي لسنة 2022، مستلهماً القيم المحلية وخصوصيات المجتمع المالي، في قطيعة تامة مع الآليات والوساطات الأجنبية التي أثبتت فشلها، وعلى رأسها اتفاق الجزائر الذي كانت السلطات قد أعلنت إنهاءه رسمياً في 25 يناير 2024، بسبب ما اعتبرته تدخلا مباشرا من النظام الجزائري في الشأن المالي ودعما للجماعات المتطرفة والمتمردة.

الميثاق الجديد لا يمثل فقط وثيقة سياسية، بل هو رؤية شاملة لإعادة البناء الوطني، إذ يراد له أن يكون أداة جامعة تعيد اللحمة الداخلية وتؤسس لسلام دائم يقوم على الحوار المالي الداخلي، دون وسطاء خارجيين. كما يرتقب أن تطلق الحكومة استراتيجية اتصالية واسعة لتقريب مضامين الميثاق من المواطنين وتحفيز المؤسسات على تبنيه والانخراط في تنزيله.
وفي تعليق له على هذا المسار، أكد عثمان إيسوفي مايغا، رئيس اللجنة الوطنية لصياغة الدستور ورئيس الوزراء الأسبق، أن الميثاق هو ثمرة ستة أشهر من العمل المكثف، وهو يعكس تطلعات شعب مالي إلى سلام حقيقي ومصالحة عميقة تُؤسس لمجتمع متماسك وم resilient. وأوضح أن هذه الوثيقة تتجاوز أن تكون مجرد نص قانوني، بل تشكل حجر الزاوية في بناء مالي جديدة تُعلي من شأن الحوار الوطني وتعتمد أبناءها وحدهم لحل أزماتها.







