بقلم: باحدة عبد الرزاق
بمناسبة الذكرى السادسة والعشرين لاعتلاء صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله عرش أسلافه الميامين، نستحضر بفخر واعتزاز المسيرة التنموية الشاملة التي شهدها المغرب تحت القيادة الحكيمة لجلالته، والتي تميزت بترسيخ مبادئ العدالة المجالية وتطوير العالم القروي، محققة قفزات نوعية في تحسين الظروف المعيشية للمواطنين عبر ربوع المملكة.

منذ تولي جلالة الملك العرش في 30 يوليوز 1999، أطلق جلالته مسارا تنمويا هادئا لكنه عميق وجذري، جعل من تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية بين المدن والمناطق القروية هدفا استراتيجيا، ليضع المغرب ضمن الدول الرائدة قاريا في مجال التنمية المتوازنة والشاملة.
كانت المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، التي انطلقت في 18 ماي 2005، إحدى اللبنات الأساسية لهذا المشروع الكبير، إذ عملت على تحسين ظروف عيش الفئات الأكثر هشاشة عبر تدخلات واسعة النطاق في مجالات متعددة منها التعليم والصحة والماء الصالح للشرب والكهرباء والبنية التحتية الطرقية، مما عزز من الإدماج الاجتماعي والاقتصادي لسكان العالم القروي. هذه المبادرة التي جاءت تتويجا لرؤية ملكية واضحة، لم تكن مجرد برامج مؤقتة بل تحولت إلى محرك قوي للإنعاش الاقتصادي والاجتماعي في القرى والمناطق النائية، حيث تمكنت من إحداث تغييرات ملموسة على أرض الواقع.

وقد تواصل هذا الجهد التنموي الكبير عبر إطلاق برنامج تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية في العالم القروي عام 2017، والذي استهدف ما يفوق 1,200 جماعة ترابية و140 مركزا قرويا، مستفيدة منه أكثر من 14 مليون نسمة، وتم تخصيص ميزانية ضخمة تجاوزت 48 مليار درهم، في أكبر استثمار حكومي موجه للتنمية القروية في تاريخ المغرب. هذا البرنامج ضم مئات المشاريع في مجالات شتى، من بناء المدارس وتوفير التجهيزات الصحية إلى تقوية شبكات الماء والكهرباء وتحسين المسالك الطرقية، ما مكّن من خلق فرص شغل ودفع عجلة التنمية بشكل مستدام.
ولعل أبرز مؤشر على النجاح الكبير لهذه السياسة التنموية هو التقدم الملموس في معدلات الولوج إلى الخدمات الأساسية في العالم القروي، ففي قطاع الماء الصالح للشرب، ارتفعت نسبة التغطية إلى أكثر من 90% مقارنة بحوالي 50% فقط في بداية حكم جلالة الملك. أما في مجال الكهرباء، فقد وصلت نسبة التزويد بالكهرباء إلى ما يقارب 98% من ساكنة القرى، وهو تحسن هائل أضحى فيه المغرب بلدا رائدا في تحقيق الهدف السابع من أهداف التنمية المستدامة المتعلقة بالطاقة النظيفة والشاملة.

وعلى صعيد البنية التحتية الطرقية، تم ربط أكثر من 60,000 كيلومتر من المسالك القروية بالشبكة الوطنية، الأمر الذي أدى إلى تسهيل حركة الأشخاص والبضائع، وتقريب الخدمات من المواطنين، ما انعكس إيجابيا على مستوى الفلاحة، والصناعة المحلية، والسياحة الداخلية، وأعاد الحيوية إلى العديد من المناطق التي كانت تعاني من العزلة.
ومع ذلك، يدرك جلالة الملك محمد السادس نصره الله، أن التحديات ما تزال قائمة، خاصة في بعض المناطق الجبلية والنائية التي تحتاج إلى مواصلة الدعم والتنمية، ولهذا تستمر المملكة في تعزيز استثماراتها وتنفيذ استراتيجيات شاملة تستهدف تنمية مستدامة متوازنة تشمل جميع المناطق، مع إعطاء أهمية خاصة لتحسين جودة التعليم والصحة في العالم القروي، من أجل ضمان انتقال هذه المجتمعات إلى مستويات أفضل من الرفاهية والاستقرار.

لقد أثبتت هذه السياسات التنموية الحكيمة، أن العدالة المجالية ليست مجرد شعار سياسي، بل هي مسار عمل ميداني يترجم التزام جلالة الملك العميق بتحقيق التنمية البشرية المتكاملة، التي تستهدف بناء مغرب متماسك ومتوازن يحترم حق كل مواطن في العيش الكريم، بغض النظر عن مكان سكناه. إن هذه الإنجازات الرائدة تعكس رؤية ملكية بعيدة النظر وحكيمة، قوامها الالتزام الدائم بخدمة الوطن والمواطن، وإرساء أسس نمو وازدهار يجعل من المغرب نموذجا ملهما على المستويين الإقليمي والقاري.

في هذا السياق، لا يمكن إلا أن نعبر عن أسمى آيات الاعتزاز والامتنان لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، الذي ظل على مدى ستة وعشرين عاما مثالا للقيادة الحكيمة والرؤية السديدة، حيث قاد المملكة بثبات وعزم نحو آفاق التقدم والتنمية المستدامة، محافظا على تماسك الوطن ووحدته، ومؤمنا بقوة بأهمية العدالة الاجتماعية والعدالة المجالية كركيزتين أساسيتين لبناء مغرب متطور ومتقدم. حفظه الله ذخرا لهذا الوطن وأدام عليه نعمة الصحة والعافية ليواصل المسيرة المباركة في خدمة الشعب والوطن.







