وهبي في قلب الجدل الضريبي : خلط بين الوقائع المنشئة لضريبة الدخل وواجبات التسجيل”

محمد البشيري – وكالة الأنباء المغربية

أثار وزير العدل عبد اللطيف وهبي، في حوار صحفي مع الزميلة” هسبريس”، جدلًا قانونيًا لافتًا عقب إعلانه، فــ الدقيقة 33 من المقابلة، عزمه اللجوء إلى المحكمة الإدارية للطعن في قرار صادر عن مصلحة الضرائب، يتعلق بتفويت عقار لفائدة زوجته دون مقابل.

تصريح بدا، للوهلة الأولى، تعبيرًا عن موقف شخصي في نزاع ضريبي، لكنه سرعان ما كشف عن خلل بيّن في تأويل المبادئ الضريبية الأساسية، وعن ارتباك واضح في التمييز بين الصفات القانونية والمصالح الخاصة، ارتباك يصعب تفهّمه حين يصدر عن مسؤول حكومي يتولى حقيبة العدل.

عبد اللطيف وهبي، قبل أن يكون وزيرًا للعدل، فهو محامٍ راكم تجربة طويلة في الدفاع عن حقوق المتقاضين، بمن فيهم الملزمون بالضريبة، وكان من المفترض أن تتيح له هذه التجربة تكوين رصيد معرفي قانوني متين. غير أن ما صدر عنه من تصريح لا يعكس هذا التراكم، بل يكشف، على العكس، عن غياب للدقة في تقدير المراكز القانونية واختصاصات الأطراف، وهو ما لم يكن منتظرًا من شخصية تشغل موقعًا وزاريًا بهذه الحساسية.

العملية موضوع التصريح تتعلق بتفويت بغير عوض بين الزوجين، وهي معاملة تخضع لنظام جبائي خاص يعفيها من الضريبة على الدخل المفروضة على الأرباح العقارية، وفقًا لأحكام المادة 63 من المدونة العامة للضرائب. وعليه، فإن الوزير ليس طرفًا معنيًا بأي تضريب في هذا الإطار.

بالمقابل، تُفرض واجبات التسجيل على المفوَّت له، أي الزوجة، وليس على المفوِّت. وفي حال نشوء نزاع مع الإدارة الضريبية بشأن القيمة المصرّح بها، فإن الطرف المخاطب قانونًا هو الزوجة فقط، باعتبارها المستفيدة من التفويت والمعنية بتحمل الرسوم وكافة التقديرات التكميلية الناتجة عن مراجعة الإدارة.

من هذا المنطلق، يثار تساؤل جوهري حول صفة الوزير في مباشرة مسطرة الطعن القضائي، وهو تساؤل لا يُجاب عنه بالإيجاب إلا في حالة توفره على وكالة رسمية تخوّله تمثيل الزوجة. أما في غياب ذلك، فإن تحركه في هذا السياق يفتقر إلى الأساس القانوني من حيث الصفة والمصلحة.

هذا الخلط بين الوضعين الذاتي والمؤسساتي، إن صدر عن شخص عادي، فقد يُعزى إلى جهل بالقانون. أما أن يصدر عن وزير عدل، وفاعل سابق في حقل المحاماة، فالأمر يطرح إشكالات أعمق حول طبيعة العلاقة التي تربط رجل الدولة بالقانون، ومدى الوعي المؤسسي بالحدود الفاصلة بين ما هو شخصي وما هو وظيفي.

وتزداد دلالة التصريح التباسية أمام بعض الأصوات التي سعت إلى إعطاء العملية طابعًا زجريًا، وهو توصيف يفتقر إلى أي سند واقعي أو قانوني، ما دامت العملية مدنية صرف، ومؤطرة بشكل واضح من قبل النصوص الجبائية ذات الطابع غير الزجري.

ولتعميق النقاش حول الجوانب القانونية المرتبطة بتصريح وزير العدل، تواصلت وكالة الأنباء المغربية مع الدكتور جواد لعسري، أستاذ التعليم العالي بكلية الحقوق وخبير في القانون الضريبي، والذي قدّم قراءته الدقيقة لما جرى.

وفي تصريحه للجريدة، أوضح الدكتور لعسري أن:
“بالنسبة للقيمة المصرّح بها في عقد التفويت، فإنها تهم فقط المفوَّت له، أي الزوجة في هذه الحالة، بصفتها الطرف المخاطب بالأحكام القانونية المنظمة لواجبات التسجيل، سواء تعلق الأمر بالواجبات الأصلية المحسوبة على أساس القيمة المصرّح بها، أو التكميلية التي قد تُطالب بها الإدارة عقب سلوكها مسطرة التصحيح العادية، وفقًا لأحكام المادتين 217 و220 من المدونة العامة للضرائب.”

وأضاف المتحدث أن “حق الطعن في هذا النوع من القرارات يُمنح للمفوَّت له دون غيره، إما عبر الطعن الإداري، أو أمام اللجنة المحلية لتقدير الضريبة، أو مباشرة أمام المحكمة الإدارية المختصة، وهو ما يجعل الوزير خارج هذه المسطرة من حيث الصفة.”

وشدد الدكتور لعسري على أن “القاعدة الجبائية واضحة: الضريبة على الدخل (صنف الأرباح العقارية) تُخاطب المفوِّت، بينما واجبات التسجيل تُخاطب المفوَّت له، كما هو الحال في هذه النازلة. وبما أن عملية التفويت تمت بدون عوض لفائدة الزوجة، فإنها – من الزاوية الضريبية – معفاة من أداء الضريبة على الدخل، استنادًا للمادة 63 من المدونة العامة للضرائب.”

تصريح الوزير، والحالة هذه، لا ينطوي فقط على سوء توصيف لوضعيته القانونية، بل يزج بمؤسسة العدل في نقاش جانبي لا موجب له، ويعطي الانطباع الخاطئ بأن تأويل النصوص يمكن أن يخضع لاعتبارات شخصية أو سياسية، بدلًا من أن يُحتكم فيه إلى قواعد القراءة السليمة والملاءمة الموضوعية للنص القانوني.

لسنا إذًا أمام مجرّد سقطة لفظية، بل أمام واقعة تُعيد إلى الواجهة سؤالًا أعمق: إلى أي مدى يجوز للمسؤول السياسي أن يستعمل صفة الدولة في قضايا تندرج في خانة الحياة الخاصة؟ وهل من المقبول – دستوريًا وأخلاقيًا – أن يُصرَّف النقاش القانوني بمنطق الانتماء السياسي أو التبرير الشخصي، لا بمنطق الحياد والصرامة التي يتطلبها موقع المسؤولية؟

الملف، في جوهره، يكشف عن حاجة ملحّة لإعادة التذكير بحدود الوظيفة العمومية، وعن ضرورة ترسيخ ثقافة قانونية تؤسس للفصل الصارم بين الشخصي والسياسي، بين الحقل الخاص وحدود السلطة العامة، حتى لا تتحول المؤسسات إلى امتداد لتأويلات فردية، مهما كانت درجة صاحبها.

  • Related Posts

    الطالبي العلمي ورئيس البرلمان الفيتنامي يجريان مباحثات ثنائية ويوقعان اتفاقية لتعزيز التعاون البرلماني

    استقبل راشيد الطالبي العلمي، رئيس مجلس النواب، يوم الجمعة 25 يوليوز 2025 بمقر المجلس في الرباط، Tran Thanh Man، رئيس الجمعية الوطنية لجمهورية فيتنام الاشتراكية، الذي يقوم بزيارة رسمية إلى المملكة…

    المزيد

    بحيرة الألفة تتحول إلى أكبر منتزه طبيعي وترفيهي بجهة الدار البيضاء سطات

    أجرى محمد امهيدية، والي جهة الدار البيضاء-سطات، زيارة ميدانية للوقوف على تقدم أشغال مشروع إعادة تأهيل بحيرة الألفة الواقعة بمنطقة الحي الحسني، في إطار تتبعه المتواصل لأوراش التنمية المحلية على صعيد…

    المزيد

    Leave a Reply

    Your email address will not be published. Required fields are marked *

    قد فاتك

    نشرة إنذارية.. موجة حر من الأحد إلى الثلاثاء بعدد من مناطق المملكة

    نشرة إنذارية.. موجة حر من الأحد إلى الثلاثاء بعدد من مناطق المملكة

    نادية بوهدود تكشف عن آخر تطورات مشروع المحطة الطرقية

    نادية بوهدود تكشف عن آخر تطورات مشروع المحطة الطرقية

    الطالبي العلمي ورئيس البرلمان الفيتنامي يجريان مباحثات ثنائية ويوقعان اتفاقية لتعزيز التعاون البرلماني

    الطالبي العلمي ورئيس البرلمان الفيتنامي يجريان مباحثات ثنائية ويوقعان اتفاقية لتعزيز التعاون البرلماني

    تارودانت..تدشين المركز الصحي القروي من المستوى الثاني بجماعة أحمر الكلالشة بعد تأهيله

    تارودانت..تدشين المركز الصحي القروي من المستوى الثاني بجماعة أحمر الكلالشة بعد تأهيله

    فرنسا تضع مزيدا من القيود والجزائر تهدد باللجوء إلى الأمم المتحدة

    فرنسا تضع مزيدا من القيود والجزائر تهدد باللجوء إلى الأمم المتحدة

    تدشين المنطقة الصناعية “أهل لغلام” بالدار البيضاء لخلق 4000 منصب شغل

    تدشين المنطقة الصناعية “أهل لغلام” بالدار البيضاء لخلق 4000 منصب شغل