بقلم: باحدة عبد الرزاق
بمناسبة الذكرى السادسة والعشرين لاعتلاء جلالة الملك محمد السادس نصره الله عرش أسلافه الميامين، نستحضر في هذه السلسلة الخاصة محطات بارزة من عهد مجيد، تميز بالحكمة والرؤية المتبصرة، وبإصلاحات شاملة أعادت رسم ملامح المغرب داخليا وخارجيا.

في قلب هذه الإنجازات المتعددة، تبرز القارة الإفريقية كواحدة من أكثر المجالات التي طبعتها البصمة الملكية الواضحة، حيث أعاد جلالة الملك محمد السادس صياغة علاقة المغرب بعمقه الإفريقي على أساس الشراكة والتضامن، وفتح صفحة جديدة من التعاون الاستراتيجي جنوب–جنوب، ما جعل المملكة فاعلا محوريا في القارة، ومرجعا إقليميا يحسب له الحساب.

منذ بداية العهد الجديد، اتجهت البوصلة الملكية بثبات نحو إفريقيا. وكانت العودة التاريخية إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017 بعد 32 سنة من الغياب، تتويجا لمسار دبلوماسي متأن، قائم على تعزيز الثقة مع الدول الشقيقة، وبناء روابط متينة تتجاوز الحسابات الظرفية. وخلال هذا المسار، قاد جلالته أكثر من 50 زيارة رسمية لبلدان إفريقية، تم خلالها توقيع آلاف الاتفاقيات التي شملت قطاعات الاقتصاد، الفلاحة، البنية التحتية، التعليم، الصحة، الطاقة، التكوين الديني، والثقافة.

وبدل التركيز على الدبلوماسية التقليدية ذات البعد السياسي الضيق، اختار الملك محمد السادس نهجا تنمويا بعده الأول اقتصادي، يرتكز على نقل الخبرات المغربية وتعبئة الاستثمار العمومي والخاص لفائدة التنمية في إفريقيا. شركات وطنية كبرى، مثل المكتب الشريف للفوسفاط، والتجاري وفا بنك، والاتصالات، والخطوط الملكية الجوية، وغيرها، تمددت في القارة بروح الشراكة والتكامل، لا الهيمنة أو الاستغلال، وأصبحت فاعلا اقتصاديا مرنا في أسواق واعدة.

أحد أبرز الأمثلة على هذه الرؤية هو مشروع مصنع الأسمدة في إثيوبيا باستثمار بلغ 3.5 مليار دولار، والذي يعد حجر الزاوية في استراتيجية الأمن الغذائي لإفريقيا. وهو ليس استثناء، بل جزء من سياسة شاملة لجعل المغرب مركزا إفريقيا للإنتاج والتكوين والتمويل.

ولم تقتصر المبادرات الملكية على الجانب الاقتصادي فقط، بل امتدت إلى البعد الروحي والثقافي والإنساني. إذ تم إنشاء مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة لترسيخ إشعاع الإسلام المعتدل، وإعادة بناء الجسور الروحية بين المغرب وعمقه الديني في دول الساحل وغرب إفريقيا. كما أطلقت المملكة مبادرات صحية وإنسانية، منها مستشفيات ميدانية ومساعدات طبية، خاصة إبان جائحة كوفيد-19، إضافة إلى تسوية وضعية آلاف المهاجرين من دول جنوب الصحراء داخل التراب المغربي، بما يعكس رؤية ملكية إنسانية للهجرة تقوم على الإدماج لا الإقصاء.

وتتويجا لهذا التموقع الإفريقي المتصاعد، أطلق جلالة الملك محمد السادس مشروعا استراتيجيا بالغ الأهمية، يتمثل في أنبوب الغاز نيجيريا–المغرب، الذي يعد من بين أكبر المشاريع القارية في القرن الواحد والعشرين. هذا المشروع العملاق، الذي سيعبر أكثر من 13 دولة إفريقية على طول الساحل الغربي، ليس فقط ممرا للطاقة، بل رافعة للتكامل الاقتصادي والتنمية المشتركة، يهدف إلى تزويد إفريقيا وأوروبا بالغاز الطبيعي، وتعزيز البنية التحتية للطاقة، وربط الأسواق، وخلق فرص الشغل، والحد من الهشاشة الطاقية في بلدان الساحل التي تعاني من تقلبات أمنية وتنموية مزمنة.

وقد أكد جلالة الملك، في خطبه السامية، أن هذا المشروع لا يختزل في أبعاده الاقتصادية، بل هو تجسيد للرؤية التضامنية المغربية، من خلال ربط مصالح التنمية بالطاقة، وتمكين الدول الإفريقية من أدوات السيادة الاقتصادية. ولهذا، حظي المشروع بدعم متواصل من مؤسسات مالية قارية ودولية، ومساندة رسمية من أغلب الدول المعنية، ما يعكس الثقة التي تحظى بها المبادرات الملكية العابرة للحدود.

وفي السياق نفسه، حرص المغرب تحت قيادة جلالة الملك على توطيد شراكاته مع بلدان الساحل والصحراء، على قاعدة الثقة والتضامن الأمني والتنموي. فقد دعمت الرباط التعاون في مجال مكافحة الإرهاب والجريمة العابرة، وأسهمت بخبراتها الأمنية والاستخباراتية في تعزيز قدرات دول الجوار الإفريقي، دون أي أجندة هيمنية، مما جعل المغرب فاعلا مرنا وموثوقا به، يوازن بين القوة الناعمة والانخراط المسؤول في قضايا الأمن والاستقرار بالقارة.

لقد نجح المغرب، بقيادة جلالة الملك، في إعادة تعريف موقعه في إفريقيا، لا كطرف باحث عن النفوذ، بل كقوة اقتراح وشريك تنموي وفاعل متزن. وهكذا، بعد ستة وعشرين سنة من العمل الهادئ والمتواصل، أصبحت المملكة المغربية مرجعية في التعاون جنوب–جنوب، وقوة إفريقية موثوقة تعمل من داخل القارة ومن أجلها، برؤية ملكية تنبض بالحكمة والمسؤولية التاريخية.







