بقلم: باحدة عبد الرزاق
في أحدث خرجة إعلامية له، عاد الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون ليقدم سردية إنكارية للوضع الإقليمي والدولي الذي تعيشه بلاده، متجاهلا مظاهر العزلة الدبلوماسية والانكماش الجيوسياسي الذي يطبع الأداء الخارجي للجزائر منذ سنوات. تبون الذي تحدث بثقة مصطنعة عن استقرار حدود بلاده وقوة جيشها وخبرة أجهزتها، لم يفعل أكثر من إعادة إنتاج الخطاب الرسمي المأزوم، وهو الخطاب ذاته الذي فشل في إقناع الداخل والخارج بقدرة الجزائر على لعب أي دور استراتيجي في محيطها.
تبون أنكر عزلة الجزائر رغم أن الوقائع تسير عكس ادعاءاته. الجزائر اليوم على هامش المبادرات القارية الفاعلة، غائبة عن التحالفات الواقعية في الساحل، ومرفوضة من طرف الفاعلين الجدد في مالي وبوركينا فاسو والنيجر. انسحاب هذه الدول من مجموعة الساحل لا يمكن فصله عن الفشل الجزائري الذريع في إرساء نموذج تعاون فعال، ولا عن تآكل الثقة في الخطاب الوصي والمتعالي الذي ما زال النظام العسكري يروج له باسم الثورة وعدم الانحياز.
تصريحات تبون حول مالي تكشف ارتباكا واضحا. فبينما يزعم أن الجزائر مدت يد العون لهذا البلد، يعلم الجميع أن اتفاق الجزائر لعام 2015 أصبح متجاوزا وغير ذي جدوى، بل إن حكام باماكو الجدد لم يترددوا في إبعاده عن واجهة الوساطة الموثوقة. الجزائر التي تدّعي الحياد، تسوق نفسها كوسيط في الوقت الذي لا تجد فيه آذانا صاغية من القوى الفاعلة في المنطقة، مقابل صعود مقاربات جديدة تؤمن بالواقعية السياسية والأمنية، وفي مقدمتها النموذج المغربي الذي يتمتع بمصداقية حقيقية مبنية على مشاريع ملموسة واحترام سيادة الدول.
وتبقى مفارقة السردية الجزائرية جلية في مسألة الإرهاب، حيث تحاول الجزائر تقديم نفسها كحصن ضد التهديدات الأمنية، في حين أن جنوبها المفتوح على الساحل أصبح بيئة خصبة للأنشطة غير النظامية، وأن العلاقة الملتبسة التي تربطها بجبهة البوليساريو، المصنفة من قبل تقارير دولية كطرف غير منضبط في الساحل، تطرح أكثر من سؤال حول صدقية الخطاب الأمني الجزائري.
ولأن النظام الجزائري يجد دائما في قضية الصحراء المغربية متنفسا لمشكلاته الداخلية، فقد حرص تبون في ختام مقابلته على تجديد دعمه لما يسميه “قضية الصحراء الغربية”، ناسفا بذلك كل ادعاءاته السابقة بشأن احترام وحدة الدول وعدم التدخل في شؤونها. كيف يمكن لمن يدعي الدفاع عن سيادة مالي والنيجر أن يدوس على مبدأ السيادة حين يتعلق الأمر بجاره الغربي، المملكة المغربية، التي تحظى مبادرتها للحكم الذاتي بدعم دولي واسع بوصفها الحل الجاد والواقعي والنهائي للنزاع المفتعل.
وإذ يفاخر تبون بعلاقات الجزائر المتوازنة مع واشنطن وموسكو وبكين، فإن أرقام التبادل التجاري وواقع العزوف الاستثماري تؤكد هشاشة هذا الادعاء، بل إن فرض الولايات المتحدة لرسوم جمركية على منتجات جزائرية يفضح ضعف الحضور الاقتصادي للجزائر في الأسواق الكبرى، ويفسر لماذا لا تعد الجزائر شريكا موثوقا في نظر أغلب القوى الاقتصادية الصاعدة.
تبون لم يقنع أحدا. خطابه ليس سوى محاولة للهروب إلى الأمام، في وقت تعيش فيه الجزائر مرحلة دقيقة عنوانها العزلة القارية، الانكماش الإقليمي، وانهيار أدوات التأثير. لقد ولى زمن الخطابات الثورية الفارغة، وحان وقت الاعتراف بأن الدولة التي تسلح الانفصال، وتناصب المغرب العداء، وتفشل في فرض الاستقرار في جوارها، لا يمكنها أن تدّعي القيادة أو الحضور أو حتى الاحترام.








