في يومين فقط الجزائر تتلقى صفعتين من جنوب إفريقيا والاتحاد الأوروبي

تلقت الجزائر، في ظرف يومين فقط، ضربتين متتاليتين على مستوى تحالفاتها الخارجية ومساراتها الاقتصادية، ما كشف عمق الارتباك الذي تعيشه دبلوماسيتها في ظل التحولات الجارية إقليميا ودوليا. ضربة أولى سياسية قادمة من جنوب القارة الإفريقية، وأخرى قانونية واقتصادية من قلب الاتحاد الأوروبي، تنذر بتصدع جبهة الدعم الخارجي التي راهنت عليها الجزائر والبوليساريو لعقود.

فقد شكل التصريح غير المسبوق للرئيس الجنوب إفريقي السابق جاكوب زوما، الداعم لمقترح الحكم الذاتي المغربي في الصحراء، نقطة تحول لافتة في خطاب واحد من أبرز رموز حلفاء الجزائر التقليديين. زوما وصف المبادرة المغربية بـ”المتقدمة والواقعية”، معتبرا أنها تجسّد حلا سياديا يحفظ مصالح ساكنة الأقاليم الجنوبية ضمن إطار سيادة المملكة المغربية. هذا الموقف، الذي جاء خلال استقباله من طرف رئيس مجلس النواب المغربي بالرباط، يمثل اختراقا استراتيجيا في أحد معاقل المساندة التاريخية لأطروحة الانفصال، ويؤشر على تصدع مقلق لمحور الجزائر–جنوب إفريقيا في ملف الصحراء.

لم تكد الجزائر تستوعب وقع هذا التحول السياسي، حتى فوجئت بقرار حازم من المفوضية الأوروبية بإطلاق مسطرة تحكيم رسمي ضدها، على خلفية خروقات لاتفاق الشراكة الموقع سنة 2005، ولا سيما فرض قيود غير مبررة على الصادرات والاستثمارات الأوروبية. هذا التصعيد القانوني، المعلن من قبل المديرية العامة للتجارة بالمفوضية، لم يأت من فراغ، بل سبقه تعثر في المشاورات الثنائية، وتعاظم التذمر داخل الأوساط الأوروبية من السياسات الحمائية التي تنهجها الجزائر، وهو ما يعكس تراجعا كبيرا في منسوب الثقة المتبادلة.

رد الفعل الجزائري، الذي جاء بصيغة توترية عبر عنها وزير الخارجية أحمد عطاف في رسالة احتجاج، كشف أكثر مما أخفى. فخطاب “الصدمة” و”خرق روح الاتفاق” الذي تبنته الجزائر، يبرز حجم الانزعاج من الخطوة الأوروبية، التي تعكس، في جوهرها، اتجاها أوروبيا متزايدا نحو محاسبة الجزائر على خياراتها الاقتصادية والسياسية، بما في ذلك انخراطها في رهانات جيوسياسية مكلفة لا تخدم استقرار المنطقة ولا مصالح شركائها.

في المقابل، تواصل المملكة المغربية تعزيز مكانتها كشريك موثوق ومتزن، يحظى باحترام المؤسسات الدولية والإقليمية، ويقترح حلا سلميا لقضية الصحراء يحظى بتأييد متزايد في عواصم القرار العالمي. ومع توالي المواقف الداعمة لمقترح الحكم الذاتي، يتأكد أن الطرح المغربي يكتسب دينامية لا يمكن تجاهلها، بينما تتآكل شرعية الطرح الانفصالي الذي ما فتئت الجزائر ترافع له دون جدوى.

وفي وقت تعاني فيه الجزائر من هشاشة داخلية واحتقان اجتماعي، تجد نفسها أمام تحديات خارجية معقدة، تعمق من عزلتها وتضعف قدرتها على المناورة، سواء في ملف الصحراء أو في شراكاتها الاقتصادية. أما البوليساريو، فلا تزال عالقة بين خطاب قديم تجاوزه الزمن، وواقع دبلوماسي يتحرك بثبات نحو الإقرار بالسيادة المغربية على أقاليمه الجنوبية.

هكذا تظهر الأيام أن سياسة القطيعة والمواجهة التي تبنتها الجزائر، سواء تجاه المغرب أو أوروبا، تنتج نتائج عكسية، وتجعل من الرباط رقما صعبا في معادلات الاستقرار والتنمية، مقابل نظام يغرق في الحسابات الخاطئة ويخسر أوراقه تباعاً في صمتٍ مقلق.

  • Related Posts

    نادية بوهدود تكشف عن آخر تطورات مشروع المحطة الطرقية

    محمد أصكام/ في إطار مناقشة برنامج عمل جماعة أولاد تايمة خلال الدورة الاستثنائية المنعقدة يوم 25 يوليوز 2025، كشفت نادية بوهدود، رئيسة المجلس الجماعي،عن المستجدات المتعلقة بإحداث مشروع المحطة الطرقية التي…

    المزيد

    فرنسا تضع مزيدا من القيود والجزائر تهدد باللجوء إلى الأمم المتحدة

    تفاقمت حدة التوتر بين فرنسا والجزائر، بعدما أعلنت باريس عن فرض قيود جديدة على تحركات الدبلوماسيين الجزائريين فوق أراضيها، في خطوة اعتبرتها وزارة الداخلية الفرنسية تطبيقًا لمبدأ المعاملة بالمثل، بالنظر إلى…

    المزيد

    Leave a Reply

    Your email address will not be published. Required fields are marked *

    قد فاتك

    نشرة إنذارية.. موجة حر من الأحد إلى الثلاثاء بعدد من مناطق المملكة

    نشرة إنذارية.. موجة حر من الأحد إلى الثلاثاء بعدد من مناطق المملكة

    نادية بوهدود تكشف عن آخر تطورات مشروع المحطة الطرقية

    نادية بوهدود تكشف عن آخر تطورات مشروع المحطة الطرقية

    الطالبي العلمي ورئيس البرلمان الفيتنامي يجريان مباحثات ثنائية ويوقعان اتفاقية لتعزيز التعاون البرلماني

    الطالبي العلمي ورئيس البرلمان الفيتنامي يجريان مباحثات ثنائية ويوقعان اتفاقية لتعزيز التعاون البرلماني

    تارودانت..تدشين المركز الصحي القروي من المستوى الثاني بجماعة أحمر الكلالشة بعد تأهيله

    تارودانت..تدشين المركز الصحي القروي من المستوى الثاني بجماعة أحمر الكلالشة بعد تأهيله

    فرنسا تضع مزيدا من القيود والجزائر تهدد باللجوء إلى الأمم المتحدة

    فرنسا تضع مزيدا من القيود والجزائر تهدد باللجوء إلى الأمم المتحدة

    تدشين المنطقة الصناعية “أهل لغلام” بالدار البيضاء لخلق 4000 منصب شغل

    تدشين المنطقة الصناعية “أهل لغلام” بالدار البيضاء لخلق 4000 منصب شغل