متابعة: عبد الرزاق باحدة
في مشهد يعكس عمق الأزمة التي يعيشها النظام الجزائري، شنت بعض الصحف الجزائرية هجوما لاذعا على الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني عقب مشاركته في قمة مصغرة دعا إليها البيت الأبيض، والتي اعتبر فيها “الرئيس العربي الوحيد الحاضر”. غياب الجزائر عن هذا الحدث الدولي لم يكن مجرد تفصيل، بل تحول إلى عقدة تجلت في مقالات هجومية حادة ومهينة، أبرزها ما نشرته صحيفة “Le Matin d’Algérie” بقلم الكاتب الجزائري شرفاوي محمد رشيد، والذي تخلى عن أبسط قواعد المهنية في سبيل تصفية حسابات سياسية.
صحيفة “أنباء إنفو” الموريتانية رأت في المقال الجزائري دليلا على حالة من “المرارة النفسية” داخل الإعلام الجزائري الرسمي وغير الرسمي، بسبب ما وصفته بـ”الانفجار الذاتي”، الناتج عن رؤية العلم الموريتاني مرفوعا في قلب العاصمة الأمريكية، بينما تستمر الجزائر في التقهقر الدبلوماسي. حضور الغزواني لم يكن بدافع الوجاهة أو الاستعراض، بل جاء في سياق نقاش ملفات إستراتيجية تخص أمن الساحل، والتعاون الإقليمي في مجالات الطاقة والبنية التحتية، وهو ما يعكس نضجا دبلوماسيا يتعارض تماما مع خطاب الهجوم الصادر من بعض المنابر الجزائرية.


وما يضاعف من حدة التناقض في الخطاب الجزائري، أن الإعلام نفسه الذي هاجم الغزواني، لم يتردد في الترويج المبالغ فيه للرسالة التي بعثها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى عبد المجيد تبون بمناسبة العيد الوطني للجزائر، حيث هلل لها كما لو كانت فتحا دبلوماسيا أو اعترافا نادرا بمكانة الجزائر الدولية. غير أن الرسالة لم تكن سوى تهنئة بروتوكولية نمطية، لا تخرج عن السياق التقليدي الذي توجه فيه عواصم العالم مراسلات مجاملة إلى رؤساء الدول، وهو ما يجعل من الاحتفاء بها دليلا إضافيا على حالة التعطش للاعتراف الخارجي التي يعاني منها النظام الجزائري تحت وقع العزلة المتزايدة.
في المقابل، تصر موريتانيا على التمسك بخطها المستقل والمتوازن، وهو ما يزعج دوائر القرار في الجزائر، التي لطالما حاولت استتباع نواكشوط ضمن محور سياسي مغاربي لا يخدم المصالح الموريتانية بالضرورة. كما أن التذكير المتكرر بدعم الجزائر لمجموعات مسلحة خلال فترات سابقة، يعيد إلى الأذهان تعقيدات تاريخية لم تنجح محاولات التعتيم في محوها.
وتشير التحليلات إلى أن الهجمات الإعلامية الأخيرة ليست سوى انعكاس لأزمة خطاب سياسي في الجزائر، حيث باتت الصحافة الجزائرية أداة لإسقاط الفشل على الآخرين عوض مواجهة الحقائق، كما أنها تكشف ارتباكا واضحا تجاه مواقف إقليمية لا تسير وفق ما يرغب فيه النظام الحاكم في الجزائر. أما في موريتانيا، فالصمت الرسمي تجاه هذه الحملات يعكس إدراكا لحجم المأزق الجزائري، واختيارا واضحا للرصانة بدل الانجرار إلى مناوشات عقيمة.
وسط هذا السياق المتوتر، تبدو الجزائر وكأنها تلاحق مجرد حضور بروتوكولي للآخرين، بحثا عن موقع فقدته بفعل سياسات داخلية معزولة وخارجية فاشلة، بينما تتقدم موريتانيا بثبات على الساحة الدولية بفضل مقاربة هادئة وفعالة، لا تحتاج إلى ضجيج إعلامي لتثبت فاعليتها.








