جمال احسيني | هولندا
في واحدة من أجمل لحظات مهرجان إفريقيا السنوي بهولندا، صعدت فرقة تاسوتا ن إيمال القادمة من اقليم تنغير بالجنوب الشرقي بالمغرب إلى منصة العرض، لتترك بصمتها العميقة على جمهور غفير جاء من مختلف المدن الهولندية، وبعضهم من خارج البلاد، بحثا عن لحظة فنية تجمع القارات والثقافات.

بأزيائهم المستلهمة من التراث الأمازيغي، وآلاتهم التي جمعت بين التقليدية والغيتار الكهربائي، أطلت تاسوتا ن إيمال على خشبة المهرجان بثقة هادئة لكنها سرعان ما تحولت إلى طاقة فنية جارفة اجتاحت الفضاء المكشوف تحت سماء صيفية معتدلة.
منذ اللحظة الأولى، خطفت المجموعة الأنظار بإيقاعاتها الفريدة المستوحاة من عمق الصحراء، ممزوجة بلمسات عالمية جعلتها أقرب إلى روح الجمهور الأوروبي، دون أن تفقد نكهتها الأصيلة. الأغاني التي أدوها باللغة الأمازيغية لم تشكل حاجزا أمام التفاعل، بل على العكس، جذبت الحاضرين الذين تمايلوا على وقع الموسيقى، وردد بعضهم الكلمات بعد تعلّمها من أعضاء الفرقة خلال العرض.
أصالة تتحدث لغة العالم
ما يميز تاسوتا ن إيمال ليس فقط قدرتها على تقديم موسيقى ذات جذور ضاربة في عمق الجنوب المغربي، بل نجاحها في ترجمة تلك الجذور إلى لغة فنية يفهمها الجميع. أغانيها التي تتغنى بالأرض، والحب، وتمناطين الأمازيغية و ما تحملها من حكم و رسائل، جاءت محملة بإيقاعات متعددة الطبقات، تمزج الروك والبلوز بنغمات أمازيغية أصيلة.

عدد كبير من الحاضرين التقطوا المقاطع عبر هواتفهم وشاركوا التجربة مباشرة على وسائل التواصل الاجتماعي، مما جعل اسم المجموعة يتردد بقوة مساء أمس.
تفاعل غير مسبوق
موجة التفاعل لم تكن عادية. فبمجرد انتهاء كل أغنية، كانت تتعالى الهتافات مطالبة بالمزيد. وبين مقطع واخر، كانت الفرقة تتواصل مع الجمهور بلغات متعددة – الأمازيغية، الدارجة المغربية، والإنجليزية في محاولة لكسر كل الحواجز اللغوية، وهو ما نجح تماما.
قال أحد الحاضرين من مدينة أوترخت: “لم أكن أعرف هذه الفرقة من قبل، لكن ما قدموه الليلة جعلني من المعجبين. كانت تجربة روحية وفنية فريدة.”
في حين علقت سيدة هولندية في الستينات من عمرها: “شعرت أنني سافرت معهم إلى جبال الأطلس وواحات الصحراء المغربية… دون أن أغادر مكاني.”
دعوة من الجمهور للعودة
ورغم أن الحفل استمر لأكثر من ساعة ونصف، فإن الجمهور لم يكتف. عند نهاية العرض، توجه العشرات، بل المئات للالتقاط الصور مع اعضاء المجموعة ، وطالبوهم بالمشاركة في النسخ القادمة من المهرجان.
وقد علق أحد المنظمين على ذلك بقوله: “لم نشهد هذا المستوى من الحماس مع فرقة تشارك لأول مرة في مهرجاننا منذ سنوات. الجمهور هو من يختار نجومه، وتاسوتا ن إيمال سرقت الأضواء و الهبت حماس الجمهور.
الفن كجسر ثقافي
في زمن يكثر فيه الحديث عن الاختلافات والصراعات الثقافية، جاءت تجربة تاسوتا ن إيمال كغيرها من الفرق الشبابية لتذكر الجميع بأن الفن، خاصة عندما ينبع من جذور صادقة، قادر على بناء جسور لا تهدمها السياسة ولا يحدها اي حدود جغرافي ولا لغوي.
لقد قدمت الفرقة عرضا لا يُنسى، ونجحت في أن تكون سفيرة حقيقية للثقافة الأمازيغية،ولبلادهم المغرب ليس فقط بما غنوه، بل بكيفية حضورهم، وتفاعلهم، وصدقهم الفني.
تاسوتا ن إيمال، التي تعني “أجيال الغد” بالأمازيغية، أثبتت مرة أخرى أن الفن الجذري يستطيع عبور القارات، متى ما اقترن بالصدق، والاحتراف، واحترام الآخر.









