انطلقت على صعيد جهة فاس–مكناس، على غرار باقي مناطق المملكة، العملية الوطنية لإحصاء قطيع الماشية، في سياق البرنامج الحكومي الرامي إلى إعادة تشكيل النسيج الحيواني الوطني. وتأتي هذه المبادرة في ظرفية دقيقة يتخبط فيها القطاع الفلاحي بسبب توالي مواسم الجفاف، وارتفاع أسعار الأعلاف، فضلاً عن اضطرابات السوق التي أضعفت وفرة القطيع ورفعت كلفة تربيته بشكل مقلق.
ويرى المتدخلون الرسميون أن العملية تشكل خطوة أساسية نحو ضمان استدامة الثروة الحيوانية، كما أكد رئيس الغرفة الفلاحية بجهة فاس–مكناس مصطفى الميسوري، الذي نوه بسير الإحصاء في ظروف إيجابية بفضل التنسيق المحكم بين السلطات ومصالح وزارة الفلاحة، إضافة إلى التجاوب الملموس من طرف الكسابة. لكن في المقابل، تبقى مصداقية الأرقام التي سيتم تجميعها محور هذا الورش، في ظل سوابق مقلقة تتعلق بتلاعبات في التصريحات، سواء برفع الأعداد للاستفادة من الدعم أو بخفضها خوفاً من الرقابة أو الضرائب.
وقد كشفت تجارب السنوات الماضية حجم الخلل الذي تسببه الإحصاءات غير الدقيقة، وهو ما تجلى، على سبيل المثال، في قرار الحكومة إلغاء عيد الأضحى السنة الماضية بسبب النقص الفعلي في رؤوس الأغنام رغم التطمينات السابقة، ما أثار تساؤلات جوهرية حول مصداقية المعطيات المتداولة ومدى نجاعة منظومة تتبع الثروة الحيوانية.
وفي الوقت الذي يطمح فيه البرنامج إلى تحديث قاعدة البيانات الوطنية وتوفير أداة فعالة لرسم سياسات فلاحية مبنية على الواقع، فإن نجاحه يظل رهينًا بصدق الفلاحين، وبتعبئة ميدانية صارمة من طرف الفرق التقنية ورجال السلطة، تضمن الشفافية وتقطع مع التحايل الذي أفرغ المبادرات السابقة من جدواها. فالمعطيات الدقيقة ليست مجرد أرقام، بل هي العمود الفقري لأي إصلاح حقيقي، ونجاح هذه العملية سيعكس مدى نضج العلاقة بين الدولة ومربي الماشية، ويمنح التخطيط الفلاحي أفقًا أكثر واقعية ومصداقية.








