محمد البشيري
وكالة الانباء المغربية
عرفت مدينة تارودانت في الآونة الأخيرة تصاعداً لافتا في موجة الانتقادات الحادة والتعليقات المسيئة التي تستهدف شخصيات عمومية، أبرزها محمد أمهرسي، النائب الأول لرئيس المجلس الجماعي للمدينة، وهو من أبناء تارودانت الذين اختاروا خدمة الشأن المحلي من موقع المسؤولية.
ورغم أن الانتقاد يُعدّ أحد مظاهر الممارسة الديمقراطية، فإن ما تشهده منصات التواصل الاجتماعي تجاوز حدود النقد البناء إلى حملات تشهير ممنهجة، تسير في منحى عدواني غير مسبوق، يغلب عليه الطابع الشخصي والتجريح والاتهامات غير المدعومة بدل النقاش العقلاني والمواقف المسؤولة.
وتفيد شهادات محلية بأن السيد أمهرسي، ومنذ توليه مهام النيابة، حرص على إدماج العشرات من أبناء المدينة في مناصب الشغل المؤقتة، أغلبهم من الشباب المنحدرين من أحياء مهمشة، في خطوة اعتبرها الكثيرون بادرة إنسانية غير مسبوقة، تعكس حساً اجتماعياً عالياً لدى المسؤول الجماعي، خاصة في مدينة ترتفع فيها نسب البطالة وتتضاءل فيها فرص الشغل.
غير أن هذا الانخراط الاجتماعي لم يُقابل بالترحيب لدى الجميع، إذ تحولت بعض الصفحات الفيسبوكية، سواء تلك التي تدار بأسماء مستعارة أو التي توظف الانتماء الحزبي كستار، إلى منابر للسب والقذف، لا سيما تجاه النائب الأول للرئيس، في ممارسات تخلو من الموضوعية وتفتقر لأبسط ضوابط أخلاقيات التعبير الحر.
ويُرجع بعض المتتبعين هذه الظاهرة إلى ما يمكن وصفه بـ”التحرر المفرط” الذي تمنحه وسائل التواصل الاجتماعي لبعض الأشخاص، ممن يعتقدون أن خلف الشاشات لا رقيب ولا حسيب، فيطلقون العنان لألفاظهم الجارحة دون وعي بتأثيراتها النفسية والمجتمعية، أو احترام لمكانة الأشخاص المستهدفين.
والأخطر من ذلك أن بعض هذه التعليقات لا علاقة لها بعمل المسؤول أو أدائه، بل تمس حياته الشخصية ومظهره وحتى طريقة حديثه، وهو ما يكشف عن فراغ قيمي، وسلوك غير سوي ينبع من عقد شخصية أو شعور بالدونية، كما يؤكده مختصون في علم النفس الاجتماعي.
إن منطق “مطرب الحي لا يُطرب” يبدو أنه بات قاعدة تُحرك البعض حين يتعلق الأمر بأبناء المدينة الذين تجرؤوا على خوض غمار المسؤولية من الداخل، لا من مقاعد التنظير. والحال أن الاختلاف في الرأي لا يُبرّر الإساءة، كما أن تقديم الخدمات للمواطنين لا يجب أن يُقابل بالكراهية أو التشويه، بل بالنقاش الجاد والتقييم الهادف.
وفي ظل هذه الظاهرة المقلقة، يبقى الرهان معقوداً على وعي المواطنين وتمسكهم بثقافة الحوار والتقدير المتبادل، والتمييز بين حرية التعبير وممارسات التنمر الرقمي، التي لا تعكس سوى هشاشة أصحابها، لا قوة حججهم.
–









