محمد البشيري
وكالة الانباء المغربية
في خطوة تؤكد التزامها بانضباط المرفق العمومي، أصدرت وزارة الداخلية مذكرة حديثة تدعو من خلالها جميع موظفيها إلى التقيد الصارم بأوقات العمل الرسمي، مع التأكيد على ضرورة ضمان انتظام الخدمات واحترام التوقيت الإداري بمختلف المصالح المركزية والترابية. خطوة تعكس، من حيث الشكل، حرص الإدارة على تعزيز النجاعة وتحسين علاقة المرتفق بالإدارة.
غير أن الواقع الميداني، كما تعكسه حالة بعض الملحقات الإدارية التابعة للوزارة، يدعو إلى التساؤل بل والتأمل. ففي ملحقة حي الرياض، وهي إحدى المصالح الحيوية بالعاصمة الرباط، يُلاحظ غياب أبسط شروط الاستقرار الإداري والاجتماعي للموظفين، مما يطرح إشكالات حقيقية حول مدى اتساق التوجيه المركزي مع البنية التحتية المتوفرة.
ففي الوقت الذي يُطلب فيه من الموظفين التقيّد بالتوقيت الكامل، تفتقر الملحقة إلى فضاءات أساسية كقاعة مهيأة لوجبة الغداء، وهي حاجة يومية تفرضها ظروف العمل المستمر. كما أن غياب مسجد أو مكان مخصص لأداء الصلاة يثير حفيظة العديد من العاملين، لاسيما في ظل التزاماتهم الدينية، ما يشكل ضغطًا نفسيًا إضافيًا لا يمكن تجاهله في الحديث عن جودة بيئة العمل.
ورغم استمرار العقد الذي يربط الإدارة بالممون المسؤول عن توفير خدمات التغذية، فإن غياب فضاء لائق ومهيأ لتناول الوجبات يجعل من الاستفادة من هذه الخدمة أمراً معقداً وغير مريح، الأمر الذي يعمّق الهوة بين الخطاب الإداري والواقع اليومي للعاملين داخل هذه المؤسسة.
وتبقى هذه المفارقة الصارخة بين التوجيهات والانضباط المطلوب، من جهة، والواقع المادي والبنيوي الهش، من جهة أخرى، مدخلًا مشروعًا لمساءلة منطق العدالة الإدارية وكرامة الموظف العمومي داخل منظومة الدولة.
أليس من الأجدر أن تُهيّأ الأرضية الملائمة لاحترام التوقيت الإداري، من خلال توفير الشروط اللوجستية والإنسانية اللازمة، بدل الاكتفاء بإصدار توجيهات قد تبدو مثالية نظريًا، لكنها تصطدم بعوائق ميدانية يومية؟
إن تعزيز الحوكمة الجيدة داخل الإدارة العمومية لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال الانسجام بين النص والتطبيق، وبين التوجيه المركزي والواقع الترابي. والرهان الحقيقي اليوم ليس فقط في ضبط التوقيت، بل في بناء بيئة إدارية متكاملة، تُحفّز على الإنتاج وتُراعي الجوانب الإنسانية للموظف، باعتباره العمود الفقري لأي إصلاح إداري.







