محمد نشوان /
في تقليد موسيقي عريق لطالما اقترن بأصوات رجالية وهيبة الذكر، بدأت نساء مغربيات في كسر جدار الصمت والولوج إلى عالم “كناوة”، هذا الفن الروحي العميق المرتبط بالهوية الثقافية الإفريقية للمغرب. ومن بين الأسماء اللامعة التي أثارت انتباه الجمهور والنقاد على حد سواء، تبرز الفنانة هند النعيره كأحد النماذج الرائدة التي أعادت صياغة العلاقة بين المرأة وفن كناوة
لم تكن رحلة هند النعيره إلى عوالم كناوة سهلة، فقد نشأت هذه التقاليد في فضاءات يهيمن عليها الذكور، حيث تتوارث الأجيال فن “الكنبري” وطقوس الجذبة في نطاق مغلق يصعب على النساء اختراقه. لكن هند، بإصرارها وشغفها، اختارت أن تتعلم وتتقن رموز هذا الفن من داخله، فتعلمت العزف على “الكنبري”، وشاركت في ليالي الحال، وأتقنت الإنشاد الكناوي بكل ما فيه من عمق روحي ورمزية ثقافية.
تمكنت هند النعيره، بفضل موهبتها الفريدة وحضورها اللافت، من تجاوز الحواجز المحلية، لتصبح سفيرة لفن كناوة النسائي في المهرجانات الوطنية والدولية، حيث أثبتت أن المرأة ليست فقط قادرة على أداء هذا الفن، بل على تجديده وانفتاحه على آفاق إبداعية جديدة. وقد ساهمت مشاركاتها في مهرجان كناوة للصويرة، وغيرها من التظاهرات الفنية، في تسليط الضوء على التجربة النسائية داخل هذا الفن.
إن ولوج المرأة إلى عالم كناوة لا يمثل فقط إنجازاً فنياً، بل يشكل كذلك خطوة في اتجاه إعادة الاعتبار للمرأة داخل الموروث الثقافي المغربي، وتوسيع دائرة مشاركتها في الحفاظ على هذا التراث اللامادي. فظهور أصوات نسائية كصوت هند يفتح المجال أمام مزيد من التنوع والتجديد داخل هذا التراث العريق.
لقد بات من المؤكد اليوم أن كناوة لم تعد حكراً على الرجال، وأن تجربة هند النعيره ليست استثناءً، بل مقدمة لتحول أعمق داخل الفضاء الثقافي المغربي، حيث تثبت النساء يوماً بعد يوم أنهن قادرات على حمل ذاكرة موسيقية وروحية غنية، وأن مساهمتهن لا تقل قيمة ولا تأثيراً عن مساهمات الرجال.
كناوة بأصوات نسائية ليست مجرد ظاهرة فنية، بل إعلان عن مرحلة جديدة، عنوانها الشجاعة، التحدي، والتجديد… وهند النعيره تظل أحد أبرز وجوهها الملهمة.







