بعد ما يقارب ثلاث سنوات من القطيعة الدبلوماسية والاقتصادية، اختارت الجزائر أن تعيد فتح قنوات التواصل مع إسبانيا، بعدما اصطدمت حساباتها بخيبة سياسية واقتصادية. فقد أدركت الجزائر، بعد سلسلة من القرارات التصعيدية، أن محاولات الضغط على مدريد عبر ورقتي الغاز والنفط لم تؤت أُكلها، وأن تليين الموقف الإسباني لا يمكن أن يُنتزع بالتهديدات وإنما بالمهادنة.
وفي هذا السياق، توجه رئيس الحكومة الجزائري نذير العرباوي، الأحد، إلى مدينة إشبيلية الإسبانية للمشاركة في المؤتمر الدولي الرابع لتمويل التنمية. ورغم أن المناسبة تحمل طابعاً تنموياً، إلا أن الرهان الحقيقي يكمن في ما وراء الكواليس، حيث تسعى الجزائر من خلال هذه الزيارة إلى تمرير رسائل ناعمة لمدريد، عنوانها التهدئة وتصفية الأجواء.
وتُعد هذه الزيارة الأولى لمسؤول جزائري رفيع منذ انفجار الأزمة في مارس 2022، ما يمنحها دلالة قوية على تغير نبرة الخطاب الجزائري وسعيه إلى طي صفحة التوتر. ويُفهم من تكليف العرباوي بتمثيل الرئيس تبون شخصياً أن القرار بإعادة الوصل اتُّخذ في أعلى دوائر السلطة.
وكانت الجزائر قد مهدت لهذا التحول عبر لقاء جمع وزيري خارجية البلدين على هامش اجتماع مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في فبراير الماضي، في إشارة واضحة إلى بداية تفكيك عقدة الأزمة.
تجدر الإشارة إلى أن الأزمة بين البلدين اندلعت إثر إعلان رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز دعمه لمبادرة الحكم الذاتي المغربية بالصحراء، وهو الموقف الذي أثار غضب الجزائر التي اعتبرته “تحولاً غير مقبول”. فجاء الرد الجزائري بسحب السفير، وتعليق اتفاقية الصداقة، وتجميد المبادلات التجارية، وإغلاق المسارات البنكية أمام التعاملات مع إسبانيا.
لكن بمرور الوقت، بدا جلياً أن هذه الإجراءات لم تضعف الموقف الإسباني، ولم تؤثر على التوجهات السياسية الخارجية لمدريد. وبعد ما يقرب من ستة وثلاثين شهراً، تعود الجزائر إلى طاولة الحوار من موقع أقل حدة، في خطوة تندرج ضمن ما يمكن تسميته بـ”دبلوماسية الاعتراف بالأمر الواقع”، وهي دبلوماسية لا يُبنى عليها النصر، بل تُكتب بها نهاية جولة خاسرة.








