في مشهد أقرب إلى فصول الكوميديا السوداء، نظّمت وزارة الدفاع الجزائرية مؤتمراً وطنياً رفيع المستوى حول الوضع الأمني في منطقة الساحل، بمشاركة ضباط وخبراء ومحللين. غير أن هذا الحدث، بدلاً من أن يُعزز حضور الجزائر في محيطها الإقليمي، انقلب إلى مادة للسخرية والاستهجان، لا بسبب موضوعه بل بسبب توقيته المتنافر مع الواقع السياسي المتأزم الذي تعيشه البلاد مع كل جيرانها تقريباً. بدا الأمر كمن يعزف منفرداً على آلة معطوبة في قاعة خالية.
من السهل لأي متابع أن يلمس التناقض الفج بين خطاب النظام الجزائري وممارساته. ففي الوقت الذي تحاول فيه الجزائر تصدير صورة “الراعي الإقليمي” والحكم العادل في نزاعات الساحل، تتدهور علاقاتها مع بلدان المنطقة بشكل مطّرد. هذا الانفصام، الذي أصبح ميزة لصيقة بالدبلوماسية الجزائرية، لا يعكس سوى غياب استراتيجية واضحة واعتماد سلوك انفعالي لا يقود سوى إلى مزيد من العزلة.
وفي كلمته الافتتاحية، حاول رئيس أركان الجيش سعيد شنقريحة تجميل الصورة بالكلام عن “الثوابت” و”حسن الجوار” و”الحلول السلمية”، لكنه تناسى أن بلاده تغلق مجالها الجوي، وتطرد السفراء، وتسقط طائرات مسيّرة تابعة لدول الجوار، كما حدث مع مالي مؤخراً. التصريحات لم تُقنع سوى من صدّقوا الرواية الرسمية القديمة، التي لا تزال متمسكة بعقلية الحرب الباردة، غير مدركة لتحولات الزمن والشفافية التي تفرضها وسائل الإعلام ووسائط التواصل الحديثة.
ورغم تأكيد شنقريحة على حرص الجزائر على دعم دول الجوار “ببرامج تعاون عسكري”، فإن الواقع يُكذب هذا الادعاء. مالي انسحبت من لجنة التنسيق العملياتية، والنيجر ألغت اتفاقية مراقبة الهجرة، في رسائل مباشرة تعكس رفض الوصاية الجزائرية. هذه التحركات لا تعبّر عن “تمرد” كما يصوره الإعلام الرسمي، بل عن رغبة صريحة في قطع الطريق أمام الاختراقات الأمنية والتدخلات غير المشروعة التي قادتها أجهزة المخابرات الجزائرية تحت غطاء “المساعدة”.
غياب أي تفاعل رسمي من عواصم دول الساحل مع هذا المؤتمر، يعكس العزلة الحقيقية التي يعاني منها النظام الجزائري، رغم محاولاته المستميتة لتقديم نفسه كضامن للاستقرار. لقد أصبحت الجزائر تتحدث وحدها، وتستعرض وحدها، وتصفق وحدها، في مشهد يثير الشفقة أكثر مما يبعث على الاحترام.
وفي الوقت الذي تشهد فيه المنطقة إعادة تشكيل لموازين القوى الإقليمية، مدعومة بتحالفات جديدة تقودها قوى عالمية، يواصل النظام الجزائري تنظيم عروض بلا جمهور، في محاولة لإيهام الداخل بأن البلاد لا تزال رقماً وازناً في معادلات الساحل. إلا أن هذه المحاولات لا تزيد المشهد إلا هزلاً، وتكشف فشلاً ذريعا في قراءة المتغيرات وفقداناً بائناً للبوصلة.
إنها سياسة الإيهام، والبروباغندا، والخيال العسكري، في مواجهة واقع يزداد تجاهلاً للنظام الجزائري الذي بات، رغم الضجيج، مهمشاً… يعارض في الظل، ويناور في العتمة، ويحارب أشباحاً من صنعه.








