تسعى الجزائر بكل ما أوتيت من دعم سياسي وإعلامي إلى تقديم شراكتها الأخيرة مع سلطنة عُمان في مجال تصنيع السيارات على أنها قفزة نوعية لإنعاش قطاع يعيش منذ سنوات على وقع الانتكاسات. فبعد انسحاب “رونو” الفرنسية من وهران وتراجع “فيات” الإيطالية، بسبب ما وصفته الشركتان بصعوبات بيئة الأعمال وتقلّبات السياسات الاقتصادية، تحاول الجزائر ترميم صورة قطاعها الصناعي عبر الرهان على مشروع جديد مع “هيونداي”، بدعم من شركة SARL Hyundai Motors Manufacturing Algeria.
الصفقة التي حظيت برعاية مباشرة من رئاسة الجمهورية الجزائرية، وبمباركة من سلطنة عُمان الطامحة لتوسيع نفوذها الصناعي خارج الخليج، ليست إلا محاولة استباقية لتدارك ما يمكن تداركه في مشهد صناعي مشلول. وبموجب مرسوم تنفيذي يمنح “هيونداي” الاعتماد الأولي، تفتح الجزائر الباب أمام مصنع جديد يُفترض أن يعالج الاختلالات اللوجستية ويخلق سلاسل قيمة محلية تمتد من استيراد القطع إلى التجميع والتوزيع، مع وعود فضفاضة بخلق آلاف مناصب الشغل وتكوين الكفاءات.
غير أن كل هذه الطموحات تظل رهينة قدرة النظام الجزائري على تجاوز إرثه الثقيل من البيروقراطية والارتجال. فبيئة الأعمال هناك تعاني من غياب الشفافية وتعقيد في المساطر الجبائية والجمركية، ناهيك عن افتقار البنية التحتية في مناطق التصنيع. إخفاقات “رونو” و”فيات” لم تكن حوادث عرضية، بل نتيجة حتمية لسياسات لا تشجع على الاستقرار، ولا تقدم أي ضمانات للمستثمرين الكبار.
في هذا السياق، تبدو سلطنة عمان أشبه بمنقذ خارجي أكثر من كونها شريكا استثماريا. فالسلطنة التي نجحت في جذب مصانع سيارات عالمية عبر مناطق صناعية متخصصة، تراهن اليوم على السوق الجزائرية لاختراق القارة الأفريقية عبر منفذها المتوسطي. وهذا الطموح العُماني قد يصطدم بواقع جزائري يجهل فن إدارة الشراكات الاستراتيجية، ما لم تُصحّح الأعطاب الهيكلية العميقة.
الجزائر اليوم لا تملك ترف الفشل مجدداً. فإن هي أحسنت استغلال هذه الفرصة، فقد تستعيد بعضاً من بريقها الصناعي المفقود، وإن هي استمرت في دوامة القرارات المرتجلة والعقبات المصطنعة، فلن تنفعها لا “هيونداي” ولا عُمان في كبح انهيار بات وشيكاً.








