أوباح بوجمعة/جمال
المدينة الحمراء، جوهرة المغرب التي يتهافت عليها العالم، مدينة يمتزج فيها عبق التاريخ بسحر الحاضر.
أسواقها الزاخرة بالألوان، قصورها التي تحكي أصداء الماضي، وأزقتها النابضة بالحيوية، تجعلها وجهة لا تضاهى. لكن، خلف هذا الوجه المتألق، تكابد مراكش وجعًا صامتًا، حيث البنية التحتية المتآكلة تكبّل طموحاتها وتثقل كاهل ساكنتها، فيما تُحرَم من نصيبها العادل في التنمية الذي تتمتع به مدن كأكادير، الدار البيضاء، الرباط، وطنجة.
يكفي أن تتجول في بعض أحياء المدينة لتلمس المأسا.. شوارع مثقلة بالتشققات تتحول إلى مستنقعات مع أول هطول لقطرات المطر، وأرصفة مهترئة تجبر المارة على الحذر. أحياء أخرى تنعدم فيها الإنارة العمومية، فتغرق الطرقات والأزقة في ظلام ينذر بالخطر ليلاً. ناهيك عن أنظمة الصرف الصحي التي يُفترض أن تكون عصب المدينة، فقد باتت مصدر قلق دائم، حيث تتسرب روائح المياه العادمة إلى البيوت، مخلفة سخطًا يتردد في المقاهي والأسواق.
زد على ذلك، النقل العمومي، قصة أخرى من الإهمال. حافلات بالية تئن تحت وطأة السنين، ومحطات مكتظة تفتقر إلى أبسط قواعد التنظيم. في الشوارع الرئيسية، تتحول حركة المرور إلى فوضى، حيث الاختناقات تجعل التنقل اليومي معاناة لا تُطاق. السائقون، سواء على عربات أو دراجات نارية منتشرة، يجازفون بحياتهم على طرقات متداعية، فيما الساكنة تتساءل بمرارة: أين الإصلاحات التي تُعد بها مدن أخرى؟
في هذا الخضم، تظل المؤسسات الأمنية الضوء الوحيد في هذا المشهد القاتم. رجال الأمن، بيقظتهم وتفانيهم، يحرسون أمان المدينة، ينتشرون في الساحات العامة والشوارع، محافظين على سلامة الساكنة والزوار. جهودهم المشكورة تستحق التقدير، لكنها لا تستطيع، وحدها، أن تملأ الفراغ الذي يتركه تقاعس باقي القطاعات.
أما المنتخبون، فهم غارقون في سبات عميق، منفصلون عن نبض المدينة وآلام أهلها. وعود انتخابية أُطلقت بحماسة في الساحات تتلاشى مع أول جلسة للمجالس. مشاريع إعادة تأهيل الطرقات، تحسين الصرف الصحي، أو تنظيم النقل، تبقى مجرد شعارات جوفاء. في أحاديث الساكنة، يتردد السؤال ذاته: أين المسؤولية؟ لماذا تُحرَم مراكش من مشاريع تنموية كتلك التي تزدهر في أكادير، الدار البيضاء، الرباط، أو طنجة؟
مدينة مراكش، بمكانتها العالمية، تستحق أن تأخذ حقها في التنمية، كما فعلت مدن أخرى استطاعت أن تجمع بين الحداثة والأصالة. البهجة، كما يحب أهلها تسميتها، ليست مجرد مدينة، بل رمز للمغرب، قلب ينبض بتاريخه وثقافته. لكن هذا القلب يئن اليوم، يناشد إرادة جادة وقرارات جريئة تعيد إليه عافيته.
إحياء هذه المدينة يتطلب تضافر الجهود بين السلطات، المجتمع المدني، والساكنة، ورؤية واضحة تجعلها عالمية ليس فقط في سمعتها، بل في شوارعها المعبدة، خدماتها الراقية، وحياة كريمة لأهلها.
إلى متى ستظل مراكش رهينة هذا التناقض؟ إلى متى ستنتظر الجوهرة الحمراء من ينتشلها من غفوة الإهمال ويمنحها نصيبها من التنمية؟ الكرة في ملعب المسؤولين. فهل يصحون قبل أن يخفت بريقها؟









