بوجمعة جمال أوباح | وكالة الأنباء المغربية
إلى كل من يبحث عن سكون الجبال، أو سئم صخب المدينة…
أكتب لكم عن تجربة يجب أن تتكرر، تركت في داخلي شيئاً لا يُنسى. رحلة إلى إمليل، ذاك الركن الجبلي الذي يشبه القصص القديمة، حيث تتكلم المياه، ويروى الصمت، وتكتب الطبيعة بلغة الدهشة.
غادرت مراكش باكراً، حوالي السادسة والنصف صباحا. المدينة كانت لا تزال تمسح أثار الليل، وأنا كنت أبحث عن لحظة هدوء، أو عن شيء لا أعرفه بعد. لم أتوقع أن الطريق ذاته سيكون جزءا من الرحلة؛ كنت أمر بقرى بلا أسماء، أو لنقل، بلا لوحات تعرف بها. كل مكان هناك بدا وكأنه سر بينك وبينه.
وصلت إلى إمليل حوالي الثامنة. الهدوء كان سيد المكان، وكأن الجميع نائمون: السكان، السياح، وحتى الجبال. وحده حارس السيارات كان مستيقظا، رجل لطيف دلني على مكان أركن فيه سيارتي، وأخذ المفتاح قائلا إنه سينقلها لاحقا بعد أن يستيقظ الآخرون. لم أعرف لماذا وثقت به فورا… ربما لأن الجبال لا تعرف الخداع.
ما جذبني أولا كان صوت الشلال. تبعته حتى وجدت مطعما بسيطا في الهواء الطلق، يديره رجل يدعى با حسان. استقبلني بحفاوة لم أعتدها، وحديثه كان أدفأ من الشاي الذي قدمه لي. رجل يشبه المكان: صادق، هادئ، ومليء بالحكايات.
لكنني لم أكتف بذلك الشلال. كنت أتنقل من واحد إلى آخر، أبحث عن الجمال في كل قطرة ماء، في كل صخرة مبللة، وفي تلك اللحظات العابرة بين السكون والحركة. التقيت بسياح من فرنسا وألمانيا، تبادلنا الحديت والضحكات وبعض النصائح. أخبرتهم أن “إمليل” تعني بالأمازيغية الظل، وصدقاً… لم أجد وصفاً أصدق. إمليل كانت ظلا لكل شيء: للمدينة، للتوتر، ولضجيج الحياة.
في صباح اليوم التالي، وقبل مغادرتي، قررت أن أودع المكان بهدوء. جلست عند واد أسني، وتناولت فطورا بسيطا: خبز دافئ، زيت زيتون، شاي… وصمت جميل لا يقطعه سوى خرير الماء ورفرفة الطيور.
كنت أريد أن أكون سائحا عاديا، ألتقط الصور وأنشرها، لكن شيئا داخلي منعني. الصحفي الذي بداخلي كان يراقب، يسأل، يدون… يحاول أن يجد المعنى خلف كل مشهد. وهكذا تحولت النزهة القصيرة إلى حكاية، وربما إلى بداية حب لكل ما هو صادق وأصيل.
لهدا أريد أن أقول أن إمليل ليست مجرد قرية في الجبل. إنها لحظة شعور، مرآة ترى فيها نفسك كما أنت.
نصيحتي لكل من يبحث عن استراحة حقيقية، يكفيك ظل… وظل إمليل نمودج.








