بقلم: لطيفة بنعاشير
في مدينة الخميسات، التي تُعدّ من المدن المغربية المتعطشة إلى أبسط مقومات التنمية، تتجلّى واحدة من أخطر مظاهر الإهمال الصحي، والتي تمس فئة من المواطنين تُعاني بصمت خلف جدران باردة: المرضى النفسيون.
ما يحدث داخل أحد المستوصفات الصحية بالمدينة يُعد فضيحة مكتملة الأركان. الطبيب النفسي المسؤول عن متابعة المرضى غائب منذ شهور طويلة، ومع ذلك لا تزال الوصفات الطبية تُوزّع بانتظام—ليس من طرف طبيب بديل، ولا حتى ممرض مؤهل—بل من طرف حارس الأمن!
نعم، حارس الأمن هو من يستقبل المرضى، ويملأ أوراق العلاج، ويُسلّم وصفات موقعة مسبقًا من طرف الطبيب الغائب.
كل ذلك يجري تحت أنظار المسؤولين المحليين، العاملين في القطاع، وحتى بعض المنتخبين الذين يعلمون تفاصيل هذه المهزلة، دون أن يحرك أحد ساكنًا.
مرضى نفسيون يُترَكون لمصيرهم
في ظل هذا الوضع الكارثي، لا يجد المرضى النفسيون غير الحيرة والخوف. فلا أحد يشرح لهم حالتهم، لا متابعة طبية حقيقية، ولا أدوية مُناسبة تُصرف بناءً على تشخيص دقيق. النتيجة؟ تدهور حالات كثيرة، وصمت ثقيل يُخفي معاناة مريرة تنتهي أحيانًا بالانتحار.
الخميسات شهدت بالفعل خلال الشهور الماضية تزايدًا مقلقًا في محاولات الانتحار، معظمها ارتبط بحالات مرض نفسي غير معالج أو مهمل.
من المسؤول؟
من يتحمّل مسؤولية هذا العبث؟
وزارة الصحة؟
المديرية الجهوية؟
المندوبية الإقليمية؟
أم أن المسؤولية مشتركة بين كل هؤلاء، مع نصيب من الذنب يتحمّله المجتمع المدني الصامت، والإعلام الغائب، وحتى الأسر التي أرهقها الخوف من “الفضيحة” أكثر من الخوف على حياة أبنائها؟
الصحة النفسية ليست ترفًا
يبدو أن الصحة النفسية لا تزال في نظر الكثيرين من “الكماليات”، بينما هي في الحقيقة حجر الأساس لأي تنمية بشرية حقيقية.
لا يمكن أن نبني مجتمعًا سليمًا دون أفراد يتمتعون بالتوازن النفسي، بالرعاية، بالاستماع، وبالعلاج العلمي الحديث.
اليوم، المرض النفسي لا يعني الجنون، بل هو اضطراب يمكن علاجه، ومتابعته، والتعايش معه بكرامة. لكن ما الذي نقوله للمريض حين يُسلَّم وصفته من طرف حارس؟ أو حين يُقال له إن الطبيب “غائب حاليًا” منذ نصف سنة؟
نداء مفتوح إلى كل الضمائر الحية
من موقعي كمواطنة، أوجّه هذا النداء العاجل:
نطالب بإيفاد لجنة تفتيش فورية إلى المستوصف موضوع التجاوز.
نطالب بإيضاحات للرأي العام حول سبب غياب الطبيب وعدم تعويضه.
حان وقت تأسيس إطار حقوقي لمرافقة المرضى النفسيين والدفاع عنهم.
نحتاج إلى تسليط الضوء على هذه الانتهاكات لا إلى تبرير الصمت عنها.
إلى كل مواطن يعي خطورة الوضع: لا تنتظر أن يُصاب أحد من عائلتك حتى تتحرك.
الصمت عن هذه الجريمة جريمة مضاعفة.
والعبث بصحة الناس النفسية هو اغتيال بطيء لا يقل خطورة عن الإهمال الجسدي أو التلاعب بالدواء.
الصحة النفسية هي الحق المنسي في مدينتنا.
آن الأوان لنمنحه صوته، واحترامه، ومكانته داخل سياسة صحية عادلة وشاملة.









