رشيد الزحاف | أسفي
جريدة وكالة الأنباء المغربية
في كل موسم ثقافي، تُرفع ذات الشكاوى، وتُكرّر الأسطوانة نفسها: “آسفي مهمّشة ثقافيًا”، “تمّ إقصاؤها من شهر التراث”، “لا دعم، لا برامج، لا عدالة ثقافية”… لكن السؤال الصادم الذي لا يُطرح: هل فعلاً آسفي مُقصاة؟ أم أنها غائبة بإرادتها؟
الذين يتحدثون عن التهميش يغفلون — أو يتغافلون — عن حقيقة بسيطة: المجال الثقافي لا يُدار بالبكاء على الأطلال، بل بالمبادرة، والتخطيط، وصناعة الفعل الثقافي من الداخل. الصويرة لم تنتظر دعماً مركزياً لتُبدع مهرجانها، ومراكش لم تُلقِ اللوم على الرباط، بل بنت حراكها الثقافي بحضور نُخب فاعلة ومجتمع مدني مؤمن بدوره.

أما في آسفي، فالسؤال الأكثر إحراجاً: أين هم الفنانون؟ أين الجمعيات الثقافية؟ أين المقترحات الجادة؟ كم عدد المشاريع المقدمة أصلاً للوزارة؟ كم تظاهرة ثقافية صمدت؟ الواقع يقول إن الساحة تشكو ضعفًا في الإنتاج، وغيابًا في التنسيق، وافتقارًا للبدائل الذاتية.
ثم من غير الإنصاف اختزال كل الحضور الثقافي في “شهر التراث”، أو تصوير المدينة كأنها لم تحظَ بأي اهتمام، والحال أن مهرجان العيطة هو حدث وطني له إشعاع دولي، ومتاحف ومعالم المدينة لا تزال مفتوحة، يُنظَّم فيها عدد من الأنشطة، وإن كانت غير كافية، لكنها ليست منعدمة كما يُدّعى.
أما الحديث عن دار السلطان وقصر البحر، فصحيح أن مشاريع الترميم تعرف بطءًا، لكن هل المسؤولية تتحملها الوزارة وحدها؟ ماذا عن الجماعة الترابية؟ عن الغياب التام للمبادرات المحلية؟ هل قدمت آسفي، كمجتمع مدني، ولو مشروعًا واحدًا لإدراجها ضمن الشبكات العالمية للمدن المبدعة أو التراثية؟ الجواب معروف.
إن الاستمرار في جلد الذات ورفع لواء المظلومية لن يُنتج ثقافة، بل يُكرّس اللامسؤولية. فكما أن الثقافة تنبني على دعم الدولة، فهي تبدأ من المبادرة الفردية، وتُصاغ عبر نُخب قادرة على الفعل، لا على العتاب الأبدي.
كفى من تسويق مدينة ضحية.. آسفي تملك ما يكفي من المقومات لتنهض بنفسها، متى قررت أن تُغادر مقاعد التفرج.







