بوشتاوي إدريس/
من أغرب غرائب عصرنا هذا، أزمة الأخلاق وففذان الثقة في كل شيء بدون سبب أو اية حجة علمية وبراهن منطقية دامغة. فما سبب ذلك يا ترى؟ هل هو نابع من فقداننا لتفثنا ببعضنا البعض؟ ام بذاتنا؟ ام هو مجرد تطبيق للمقولة المتداولة منذ الأزل “خالف تعرف”؟
ففي كل مظاهر يومياتنا ينتابها تناقضات عجيبة، وعلى سبيل المثال، نركب سيارات اجرة مع سائقين نجهل هويتهم وماضيهم وكذا حاضرهم، ومع ركاب لا نعرف من هم ولا نواياهم. كما أننا نقوم بمساعدة اشخاص نصادفهم في الطريق، ليست لنا اية دراية بهم ولا على عجزهم، أو نسأل البعض عن وجهة معينة بالرغم من عدم معرفة مسبقة بهم، الى غير ذلك من التصرفات اليومية التي نقوم بها بعفوية وانسيابية بطبيعة الفطرة، دون ان نستحضر هاجس الثقة من عدمها فيهم.
فعلا ما من عاقل على وجه البسيطة ينكر انه يجب علينا ان نكون حدرين وانتقائيين في معاملاتنا وعلاقاتنا مع غيرنا، ذلك لأنه يوجد من يعيش بيننا من هم أصحاب نية فاسدة ومن ينتمون لفصيلة الذئاب البشرية، الذين يتحينون الفرصة السانحة للانقضاض على فريستهم بدون رحمة ولا ضمير، كما اننا لا نعيش بالمدينة الفاضلة بمفهومها الفلسفي. لكن العقل والمنطق يحتم علينا الحذر والتدبر وليس الرفض الممنهج لكل شيء بدون سبب مقنع، وتغليب نظرية المآمرة في كل شيء، فنسقط في غيابات الفشل.
من مبادئ الثقة التأكد من الشخص الذي سيحظى بتفثنا قبل تمتيعه بها، أو منحه ثقتنا من خلال عرقه أو دينه أو كونه ينتمي الى جهة جغرافية معينة، أو الانسياق وراء أطماعنا لأن الطماع يقهره الكذاب كما يقال. كما يجب تجنب الاحكام المسبقة أو احكام قيمة على الأشخاص، حتى ثبوت العكس وتبيان ما ينطوي عليه من فساد للنية والضمير، ولما يكنه قلبه من مشاعر حقد دفين، و…..الخ. حينها وجب عزله والابتعاد عنه ليكون نسيا منسيا وفي ذلك منافع وخير للجميع.
فعبر جميع المراحل التاريخية وفي كل المجتمعات بشرية كانت أو حيوانية، متحضرة أو همجية، كانت الثقة ولا زالت بمثابة ذلك الاسمنت الذي يجمع صفوف هذه المجتمعات ويقوي مناعتها للتصدي لأي دخيل من شأنه أن يخلل جمال ورونق هذا الجسم المتكامل والمتناسق في أداء وظائفه. فالثقة إيمان قوي بمصداقية شخص أو جماعة وبقدرتهم على تحمل مسؤولياتهم والتزاماتهم بكل الجد وجدية والتحلي بسخاء المشاعر الودية وبروح العطاء بدون مقابل.
بدون شك ان الأمور تتغير بوثيرة متسارعة وبخطى كبيرة، يصعب مجاراتها إلا أن الثقة أساسية لبناء مجتمع متماسك الصفوف وحياة يومية سعيدة وهي ضرورية كذلك لإقامة علاقات حقيقية وصادقة بين الناس، كما أنها تأثر في التفاعلات فيما بينهم، وفي جميع المجالات كالعلاقات بين الزوجين والعلاقات العملية والمهنية بين الرئيس والمرؤوس في العمل، وبين الجيران، وفي المعاملات التجارية على سبيل المثال لا الحصر.
العلوم الإنسانية والاجتماعية، تعطي تعريفات كثيرة للثقة بالآخرين، واجمالا يمكننا حصرها في أن طبيعيًة بنو البشر تميل الى منح الثقة مع الحُكم على أن الشخص الممنوح جديرٌ بهذه الثقة، وعليه يجب علينا الحفاض على الثقة بحيث لا تكون عمياء ولا مطلقة، فخير الأمور اوسطها.









