لمين الابيض/ وكالة الأنباء المغربية
بأنفاسٍ ثقيلة و قلوبٍ موجوعة، تُودِّع درعة أحد أعمدتها الشامخة، شيخًا خجولاً متواضعاً، و قامةً كبيرة في سماء التراث الشفهي، إنه الشيخ الحاج عبد العزيز العبدلاوي المهزولي، الذي رحل عنا تاركًا فراغًا لا تسده الكلمات ولا يمحوه الزمن.
برحيل الشيخ الحاج عبد العزيز العبدلاوي المهزولي، طُوِيت صفحة من صفحات المجد التراثي التي ازدانت بها درعة لعقود. فقدنا علماً من أعلام الشعر الشفهي، و هرمًا من أهرام الفنون الغنائية الشعبية، رجلًا عاش لأجل “فن الرسمة” و وهب له عمره و صوته، حتى صار بصوته الرخيم و كلماته الصادقة جزءًا لا يتجزأ من وجدان منطقته و مُحبيها.
لقد تجسدت في شخص الشيخ عبد العزيز صفات الحكيم و الشاعر و الفنان، فكان قصير القامة، و لكن شامخًا بمكانته، ضعيف البنية، و لكن قويًا بمدى كلماته و أثرها. بشوش الوجه، تنعكس في ملامحه طيبة لا يعرفها إلا من عاشره أو حتى ألقى عليه نظرة خاطفة؛ إذ كانت مجرد رؤيته تبعث في النفس احترامًا و تقديرًا و حبًا لا حدود له.
كان الشيخ الحاج عبد العزيز شاعرًا بحجم التاريخ، بحرًا من القصائد التي لم تعرف الجفاف، و سليل قبائل عشقت “الرسمة” و أتقنت نظمها و حفظها. لم يسعَ إلى الأضواء أو الشهرة، و إنما كان غايته الأولى الحفاظ على تراثه، و نقله بأمانة و محبة. و مع ذلك، لم ينل هذا الرجل العظيم تكريمًا يتناسب مع عطائه من الجهات الرسمية، مكتفيًا بالتفاتة رمزية من جمعية محلية تقديرًا له.
اليوم، و بعد مسار طويل جدا من العطاء، يرحل هذا الشاعر القدير، تاركًا خلفه فراغًا لن يُملأ، و أشعارًا تتردد في واحات درعة و أزقتها، و تحكي قصة رجل أفنى حياته حبًا و خدمةً للتراث. لقد عاش عبد العزيز العبدلاوي المهزولي ليُغَنِّي للناس و يحكي حكاياهم، و رحل ليترك في قلوبهم أثراً لا يُمحى، و يجعل من ذكراه شعلة لا تنطفئ.
إن درعة، بمن فيها من ناس و أرض و شعراء، مدينة لهذا الرجل بالكثير. نسأل الله أن يجازيه خير الجزاء عن كل بيت شعري ألقاه، و عن كل كلمة خرجت من قلبه الصادق، و أن يجعل مثواه في دار الكرامة و الخلود.
يا روح درعة و سيد الكلمة، رحلت جسدًا، لكنك ستبقى في كلماتك و أشعارك، خالدًا في القلوب، نابضًا في أذناب الأجيال التي ستسمع باسمك، فتدرك عظمة رجلٍ أحب الأرض فأحبته الأرض.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
مُحِبُّك الذي لم ينل حظ و شرف مجالستك أيت السعيد زكرياء.
خالص العزاء لكل أهله و أحبابه و عشاقه.









