م.البشيري-ع.السباعي/وكالة الأنباءالمغربية
رواية “الملعون” وجدت طريقها للنقد قبل القراءة و النشر بعد إدانة كاتبها بالحبس موقوف التنفيذ ..أزمة كتابة ام كتابة أزمة؟
كنا موقنين في ما مضى أن الكتابة تولد من رحم الأزمة، لتجيب على قارعة الرصيف عن تساؤلات ملحة واقعية بقالب ادبي ابداعي صرف، لكن نظرتنا اليوم للأمور قد تبدوا سمجة ساذجة، بعد أن أصبحت الكتابة هي نفسها للاخر أزمة تحتاج إلى دراسة بنية النص والتعرض له بالتحليل والنقد لا الانتقاد ..
هي قصة تحكي تفاصيل وتجسد معاناة الكاتب قبل وما بعد الكتابة، قصور في إدراك مغزى النص الأدبي، وعدم التمييز بين النص الروائي بعوالمه المستقلة، ورموزه الخاصة المتخليلة من بنات افكار الكاتب، قادت صاحب رواية الملعون قيد الطباعة والنشر إلى ردهات المحاكم “المحكمة الزجرية عين السبع بالدار البيضاء”، بعد أن اختار أحد الأشخاص رفع دعوى قضائية في مواجهة كاتبها مدعيا ومتحججا أن تفاصيل الرواية أو أجزاء منها على وجه التحديد تشير اليه بالبنان، معتبرا إياها تشهيرا بحياته الشخصية..


صاحب رواية “الملعون” والكاتب (س-ن) وجد نفسه مدانا أمام المحكمة الابتدائية بعين السبع بالحبس موقوف التنفيذ لمدة 4 أشهر، مع غرامة مالية قدرها 80 ألف درهم، بعد نشر مقتطفات من روايته على صفحته على الفيس.. على خلفية تقديم شكاية لدى وكيل الملك بالمحكمة الزجرية بالدار البيضاء، من أحدهم معتبرا تلك المقتطفات تعنيه.
تمخض الجبل فولد فأرا.. هي دعوى قضائية لإلجام فكرة لم ترى النور بعد، وإسقاط كئيب وتأويل من المشتكي(الذي تقمص دور الناقد) لتدوينات جزئية على الفضاء الازرق يراها الآخر مقتبسة من واقعه ومجسدة له، بل ولم يكلف “المشتكي” نفسه عناء الانتظار الى حين صدور الرواية ليفهم بعقل البسطاء قبل النقاد تطور الحبكة السردية المتخيلة وفق قواعد إبداعية صرفة. خاصة وأن الرواية على حد تعبير الكاتب تعالج مرحلة تاريخية عاشتها دواوير معزولة في قلب جبال الأطلس، بتفاعل شخوصها وتشابك أحداثها وامكنتها، في سياق زمكاني جرت اطوارها في “دوار النصراني” المتواجد بين فجاج ومرتفعات جبال الأطلس.
على خلفية هذه الواقعة تم الاستماع لكاتب رواية “الملعون” أمام الضابطة القضائية، والذي صرح بالقول “اعتدت نشر اجزاء مقتطفة من الرواية”، مؤكدا في ذات الصدد ان تفاصيلها لا علاقة لها لامن قريب أو بعيد بالمشتكي، ليقرر وكيل الملك بالمحكمة الزجرية تسطير المتابعة في حقه بالتشهير ضد المدعي، رغم إنكاره تدوينات لم تنشر في صفحته، واعترافه بنشر تدوينات بعضها جزء من روايته، وبعضها رسائل تخصه.
وفي هذا الصدد عبر محمد الشمسي، المحامي بهيئة المحامين بالدار البيضاء، دفاع الروائي المحكوم عليه، عن استغرابه وصدمته من منطوق الحكم، مؤكدا أن الحكم الصادر في حق موكله شكل صدمة نفسية، “على اعتبار أن زمن محاكمة حرية الفكر والإبداع تخلصت منه الإنسانية ولن تعود إليه”.
وشدد الشمسي، في ذات الصدد ،أنه تقدم بطعن بالزور الفرعي “في جميع ما بنى عليه المشتكي دعواه”، موردا أن “المحكمة ورغم وجود نزاع حول تلك الحجج التي هي موضوع طعن بالزور الفرعي حكمت بما حكمت، والحال أن الأحكام تبنى على الجزم واليقين، ولا تبنى على حجج هي موضوع طعن وتشكيك”.
واضاف الدفاع موضحا أنه قدم طعنا بالاستئناف في هذا الحكم نيابة عن موكله صاحب الرواية، مثلما طعن وكيل الملك بالاستئناف في الحكم نفسه، قصد تصحيح الوضع، مؤكدا أنه: “لا يمكن أن يكتب في سجل القضاء المغربي أن محكمة حاكمت رواية حول مضمونها، مقتنعة بأنها تتقصد الطرف المشتكي، رغم البون الشاسع بين محتوى الرواية وما يزعمه المشتكي من مزاعم”.

والاكيد جدا، أن ما لا يختلف حوله اثنان ،ولا يتناطح عليه كبشان.. أنه ليس من اليسير التعرض لنص روائي بالدراسة والتحليل والنقد، بعيدا عن الإيقاعات العاطفية التي لا تولد الا -الاسقاط- خاصة وأن الرواية “الملعون” لازالت قيد الطباعة في الأصل، فكيف ينتقد القارئ نصا لازال طي الرفوف.. افينك اسي محمد شكري !!
خلاصة الكلام، وانا أقرأ رواية الكاتب نجيب محفوظ، “ثرثرة فوق النيل” صادفت أحداثا يصور فيها الكاتب “تخلف مجتمع بأكمله خلال مرحلة سالفة، حيث وظف رموزا، بالمجمل لا بالمفرد ،بشخوصها واحداثها وازمنتها وأمكنتها، فتساءلت لماذا لم يقدم أحدهم بعد كل هذه السنوات على استنكار ما جاء فيها من فصول واحداث رغم أن تصف شخوصا بعينها بالقدح، إنه الابداع الروائي قبل أن يكون الكاتب هو نفسه نجيب محفوظ..
لكل نص روائي عالمه الخاص، ودهاليزه وأبوابه التي علينا اكتشافها بعين النقاد، وما نحن بمكتشفيها جميعا ولو حرصنا.







