كتبت: حنان الطيبي /وكالة الأنباء المغربية
الحناء.. تلك النبتة الأقدم عمرا في تاريخ البشرية.. استعمالاتها وقداستها في الموروث الشعبي المغربي
الحناء او كما تعرف في سائر الوطن العربي ب”الحنة”، يقال عنها إنها نبات من الجنة، وذكرها اشرف الخلق (ص) على أنها “سيد ريح الجنة”، فيما قال عنها الباحثون والمختصون في التداوي بالأعشاب على أنها تحتوي على مادة طبية مميزة تعالج الجروح والتقرحات الجلدية بامتياز؛ مثل الشقوق التي تظهر عند بعضهم على مستوى كعب القدم او الطفحات الجلدية والحكة مثل “الأكزيما”.
الحناء في مشروع المغرب الأخضر:
يعتبر جنوب المغرب اكثر المناطق المعروفة بإنتاج الحناء، كإقليم طاطا وإقليم زاكورة، حيث تتميز هذه المناطق بمناخها القاري الصحراوي الجاف والحار والذي يوافق حياة شجرة الحناء بامتياز، كما تعرف هذه المناطق ايضا بجودة الارض والتربة حيث تحتل زراعة الحناء مساحة حوالي 1700 هكتار لإنتاج ازيد من 2000 طن سنويا.

وتقوم الدولة حاليا بدراسة مشاريع زيادة إنتاج وزراعة الحناء ضمن مشروع المخطط الفلاحي للمغرب الأخضر لكي يتم الاستغناء على الحناء المستوردة من الهند والباكستان، كما أنه يتم دراسة مشروع تقطير الحناء واستخراج مركز الحناء لاستعماله في التداوي وكذا استخراج زيوت الحناء لاستعمالها كمادة طبيعية “بيو” في علاج فرة الشعر ومواد التجميل.
استخدامات الحناء عند المغاربة:
لعل أشهر الكلام عن الحناء في المغرب جملة: “حني عشان ربنا يحن عليك”، ولا شك ان الحناء من أقدم ما توارثته الشعوب القديمة على مر الحضارات والأزمنة، فقد استعملها الفراعنة في التجميل، فيما استعملتها العرب في التداوي والزينة، أما المغاربة فقد تعاملوا معها بقدسية وتعظيم؛ دلالة على المناسبات العظيمة التي يتم الاحتفال بها مع وجوب وضع الحناء، فلا عجب أن تتحنى بها النساء المغربيات في محافل دينية عديدة على مدار السنة، كعيد المولد النبوي الشريف وعيد الأضحى وشهر شعبان، أما في المناسبات الاجتماعية والشخصية فتتحنى بها الحامل في شهرها السابع حيث تقيم وليمة تجتمع عليها نساء الحي والصديقات والأسرة لدعمها والدعاء لها بتيسير امور حملها، ثم تضعها النفساء يوم العقيقة احتفالا بعملية الوضع وتبركا بقدوم المولود الجديد..، كما تقوم الأمهات المغربيات يوم السابع والعشرين من شهر رمضان الكريم بوضع الحناء على ايدي وارجل بناتهن من اللواتي لم تبلغن سن الرشد، وذلك تقديسا لليلة القدر وتبركا بها..


وتستخدم الحنة في مواضع كثير زيادة على المناسبات المذكورة، فهناك من تقوم بتخضيب شعرها قبيل كل استحمام، إذ تساعد الحناء في تقوية بويصلات الشعر وتزيد من سماكته ولمعانه، ناهيك عن علاجها للقشرة وزيادة طول الشعر وتغيير لونه إلى اللون الأحمر، كما تستعمل الحناء أيضا لصنفرة الجسم وتقشير الطبقة الجلدية الميتة مما يساعد على تنقية الجلد وإزالة التصبغات وتوحيد لون الجسم.
اما الرجل المغربي فيستعمل الحناء على الأقل مرتين في العمر، إذ تقوم الأم المغربية بغطس يدي طفلها في الحناء عند قدومه على عملية الختان، كما يضعها العريس ليلة الدخلة على شكل دائرة وسط كفه كناية على جلب الفأل الحسن لعيش حياة مليئة بالحنان والحب والمودة بين العروس والعريس.
هذا، وقد يستخدم بعض الرجال المغاربة الحناء على طول الوقت وذلك بتخضيب اللحية إحياء للسنة النبوية الشريفةِ.


الخالة فاطمة النقاشة تحكي عن الطريقة الصحيحة لخلط الحناء ومراحل نقشها وانواعها:
تختلف أوراق الحناء حسب جودتها، وتعتبر الحناء الصحراوية المغربية اجود انواع الحناء على الإطلاق وذلك لنظارتها وقوة لونها، كما وتختلف نقوش الحناء من شكل لآخر، فهناك الحنة الفاسية والمراكشية والخليجية والهندية وغيرها من الأشكال والزخرفات، وتعتبر النقوش الفاسية أكثرها تنميقا وجمالا وصعوبة في النقش، إذ لا يعرف نقشها إلا “الحنايات” أو النقاشات المحترفات ذوات الخبرة.
ويكمن سر الحناء الجيدة في طريقة الخلط، فقد تخلط امرأتان نفس اوراق الحنة إلا أن الأولى تنجلي بمجرد غسلها بالماء فيما تترك الثانية أثرها نيرا واضحا لأسابيع، وهذا راجع لطريقة خلط الحناء وتجهيزها.
وتحكي الخالة فاطمة “النقاشة” والبالغة من العمر 67 ربيعا، أن الحناء يجب أن تخضع لمجموعة من المراحل حتى تصبح جاهزة للنقش على يدي الزبونة، إذ يجب دق أوراق الحناء اليابسة في “الهون”، وبابتسامة عشق تقول الخالة فاطمة: “لقد امتهنت نقش الحناء لمدة أربعين سنة، هذه المهنة يكمن سرها في عشقها اكثر من اي شيء آخر، فإذا أعطيتها الصبر جائزتك هي بالمقابل بالحب والبركة.. ، والحناء كالنعمة، إذا قدرتها قدرتك وإذا أهنتها اهانتك.. فلا يفتر لساني بالصلاة على الحبيب المصطفى وانا ادق أوراقها.. مع كل دقة صلاة ومع كل صلاة بركة تفوح عطرا بأزكى الروائح..”.
وتقول الخالة فاطمة إن الحناء كهواية الصيد، إذ يتطلب نقش الحناء هدوء الأعصاب وانشراح الصدر وإتقان النقوش والإخلاص في العمل، وتتقاضى فاطمة في جلسة حناء واحدة ما بين 200 درهم (20 دولار) و 500 درهم (50 دولار)، وذلك حسب نوع المناسبة والقدرة المادية للزبونة.
وتكمل الخالة حديثها عن طريقة تجهيز الحناء، حيث تنتهي من عملية الدق لتقوم بتصفية وغربلة الحناء في جورب نسائي شفاف، وبعد الحصول على مسحوق جد ناعم من الحناء تضيف إليه بعضا من مسحوق الشبة وقطيرات من الليمون ومغلى الشاي الأخضر والسكر وكذا بعض القطرات من مادة “التوليا” أو “الديلو”، وفي الأخير يخلط الكل بمقطر الزهر ويصفى مرة ثانية في الجورب، وهكذا يكون الخليط جاهزا للنقش.
وتستطرد “النقاشة” فاطمة حديثها قائلة: “فيما مضى كنت أنقش الحناء بعود مرود الكحل، وكان الأمر جد صعب إذ تدوم عملية النقش لساعات طويلة متعبة ومرهقة للنقاشة والزبونة غلى السواء، أما اليوم فالأمر أصبح سهلا إذ أفرغ خليط الحناء في حقنة طبية غير مستعملة، ثم اقوم بعملية النقش في اقل من ساعة، ومن ثمة اجعل الزبونة تمد يديها ورجليها لبضع دقائق فوق الجمر لكي تجف الحناء، وبعدها اقوم ب “سقي” الحناء وذلك بتمرير قطنة مبللة بمحلول ماء الزهر والسكر، على نقوش الحناء، ثم اعود لتجفيف النقوش من جديد، وبذلك تدوم آثار الحناء اطول وقت ممكن وقد تتعدى الشهر”.


امتهان نقش الحناء في الشوارع:
غير بعيد عن سوق” كارفور” بمدينة فاس، تتجمع بعض الفتيات بين 15 و40 سنة، يحملن في أيديهن صورا لنقش الحناء على شكل” كاتالوج”، وباليد الاخرى علبة حناء جاهزة ومعداتها (منديل- قطن- ترتر ملون- مناديل كلينيكس)، تجدهن قابعات قبالة أبواب السوق التجاري، حاضرات كل يوم وبقوة، ويتكاثرن يوما عن آخر، وما أن تفوت امرأة من جانبهن حتى يتكالبن عليها بلهفة جميعهن داعيات إليها بوضع بعض النقوش من الحناء مقابل أي شيء، حتى لو كان الثمن زهيدا، خصوصا ان نقوشهن لا تدوم أكثر من 24 ساعة!، فكل ما يهمهن هو حصيلة اليوم من الدراهم..
هي مهنة تناقلتها بعضهن عن بعض، حفظن من بعضهن البعض الشكل وطريقة النقش، وغاب عنهن سر المهنة، ولأن القاعدة المهنية تقول إن لكل مهنة سر، فقد ضاعت المهنة بجماليتها وأصالتها يوم ضاع السر.. وفي المقابل فقد باحت لنا الخالة فاطمة النقاشة بشيء من سرها، فلا عجب أنه لا يحلو لها دق أوراق الحناء إلا بالصلاة على النبي، ولذلك فهي تتقن المهنة لأنها حافظت على السر وحفظته معا…!.








