بدر قلاج | مراكش
حين تتقاطع ريشة الفنان مع ضمير المربية، تولد شخصيات نادرة تُجسّد جوهر الالتزام الفني والتربوي في آن. من بين هؤلاء، تقف زهراء حنصالي شامخة كجبلٍ يحمل في طبقاته رسومات الزمن، وتجارب أجيالٍ من التلاميذ الذين عبروا فصولها كما يعبر الضوء لوحاتها.

زهراء حنصالي ليست مجرد فنانة تشكيلية؛ إنها ذاكرة بصرية متقدة، توثّق عبر ألوانها صمت الأشياء وهواجس الروح. لوحاتها لا تحتكم فقط لقوانين الجمال، بل تحاور الفكرة، وتستلهم من الحياة قلقها المشروع. هي من الفنانات القلائل اللائي تجاوزن البُعد الزخرفي للفن، لتصنع من كل عملٍ تشكيلي صرخة وجود أو تأملاً فلسفيًا يُقلب المسلّمات ويؤنسنُ التفاصيل.

لكن قوتها لا تتجلى فقط في الريشة، بل في السبورة والطبشورة، حيث قضت سنوات من عمرها مربيةً للأجيال، تنقل المعرفة وتبثّ في طلابها معنى الإحساس قبل التحصيل. لقد استطاعت أن توفّق بين حزم المربية ورقّة الفنانة، فكانت مدرسةً في الفن والتربية، ومختبراً حقيقياً لتجربة فريدة لا تفصل بين الحس الجمالي والواجب الإنساني.

زهراء حنصالي هي سؤال دائم حول وظيفة الفن: هل هو متعة بصرية فقط؟ أم هو ضرورة تربوية تعيد تشكيل الوجدان؟ في تجربتها، نجد الجواب مركبًا ومعقدًا؛ فالفن عندها ليس ترفًا، بل مسؤولية ورسالة، تمامًا كما التعليم ليس تلقينًا، بل بناءٌ للوعي وتهذيبٌ للذائقة.

ومثلما تحتاج اللوحة إلى توازن الألوان، كانت حياتها موزونةً بين عطاء في القسم وعطاء على القماش، وكأنها أرادت أن تقول لنا: “أنا لا أرسم فقط كي تُعجبوا، بل كي تتأملوا.. ولا أُعلّم فقط كي تنجحوا، بل كي تفكروا.”

زهراء حنصالي، بهذا المعنى، ليست مجرد اسم في تاريخ الفن التشكيلي المغربي، بل نموذج لمثقفٍ عضوي جسّد الفن كتربية، والتربية كفنّ، والمهنة كرسالة، والرسالة كحياة.









