بقلم: باحدة عبد الرزاق
منذ مبايعته ملكا للمغرب يوم 23 يوليوز 1999، حمل جلالة الملك محمد السادس نصره الله، على عاتقه أمانة إمارة المؤمنين بوصفها جوهر النظام السياسي المغربي، وركيزة الدولة في شقها الديني والدستوري والروحي. وقد أظهر جلالته على امتداد ستة وعشرين سنة، قدرة استثنائية على تجديد هذه المؤسسة في عمقها التاريخي، بما يجعلها مواكبة لتحديات العصر، وفي الوقت ذاته حامية للثوابت الدينية والحضارية للأمة.
لقد شكلت إمارة المؤمنين في عهد محمد السادس أفقا إصلاحيا عميقا، تجلى في لحظات مفصلية، أبرزها ما عقب أحداث 16 ماي 2003، حين قاد جلالته استراتيجية شاملة لإعادة هيكلة الحقل الديني، شملت إعادة تنظيم المجالس العلمية، وتكوين الأئمة والمرشدين والمرشدات، ومراجعة المناهج التعليمية الدينية، وربط الدين بالسلم والتسامح والوسطية. لم يكن الرد على الجريمة الأيديولوجية المنظمة أمنيا فحسب، بل كان فكريا وروحيا وقانونيا في آن معا.

وجاءت محطة الربيع العربي لتبرز مرونة المؤسسة الملكية في تفاعلها مع تحولات الإقليم. ففي سنة 2011، وبنهج الإصلاح الاستباقي، أعلن جلالة الملك عن مراجعة دستورية عميقة، رسخت إمارة المؤمنين من خلال الفصل 41 باعتبارها المرجعية العليا في تدبير الشأن الديني، والضامن لحرية ممارسة الشعائر، والمؤتمن على الثوابت الإسلامية للمملكة. لقد انتقل مفهوم أمير المؤمنين في عهد محمد السادس من طابعه الرمزي إلى وظيفته الدستورية، كأداة لحماية التنوع الديني من جهة، وتحصين الأمن الروحي من جهة ثانية.
وفي السياق نفسه، لم تكن معركة الإصلاح مقتصرة على المؤسسات أو الخطاب، بل مست أيضا البنية القانونية والاجتماعية، كما يظهر في ورش مدونة الأسرة. فقد مارس جلالة الملك، بصفته أميرا للمؤمنين، دورا تحكيميا حاسما حين ارتفع الخلاف السياسي والإيديولوجي حول مشروع مراجعة أحكام الأسرة. فجاء خطابه في البرلمان ليعلن عن رؤية إصلاحية منصفة، تعلي من شأن كرامة المرأة وتؤصل للمساواة داخل إطار الشريعة الإسلامية ومقاصدها السامية. هنا، لم يكن التحكيم صدى لتوازنات سياسية، بل كان تجسيدا للمرجعية الدينية الشرعية التي يستند إليها النظام الملكي، ويضطلع بها أمير المؤمنين.

في عمقها التاريخي، تظل إمارة المؤمنين بالمغرب مؤسسة متجذرة في تربة الإسلام السني المالكي، الذي تبنته الأمة منذ قرون، وظلت متمسكة به حتى في زمن التحولات الكبرى. فمنذ عهد الأدارسة، مرورا بالمرابطين والموحدين، وصولا إلى العلويين، لم تنفصم عرى الدولة عن مؤسسة البيعة الشرعية، التي تعد جوهر التعاقد بين الحاكم والأمة. وقد تم ترسيخ هذه المشروعية في دستور 1962 ثم في كافة التعديلات الدستورية اللاحقة، إلى أن جاء دستور 2011 ليجعل من إمارة المؤمنين أساسا دستوريا وشرعيا لدولة تستمد قوتها من الدين، وتستوعب التنوع، وتؤطره ضمن المرجعية الوطنية الأصيلة.
لقد شكل المذهب المالكي، والعقيدة الأشعرية، والتصوف الجنيدي المعتدل، الثالوث الذي بني عليه التدبير المغربي المتميز للشأن الديني. هذا الاختيار لم يكن وليد ظرفية طارئة، بل ثمرة لتراكم حضاري عميق. وقد أبانت التجربة المغربية في هذا السياق عن قدرة نادرة على الجمع بين الأصالة والانفتاح، بين الثوابت والتجديد، وبين حماية الخصوصية والانخراط في التعايش الديني والحضاري. ولعل خطاب جلالة الملك أمام البابا فرنسيس سنة 2019 في الرباط، دليل صريح على أن أمير المؤمنين ليس حامي حمى الدين الإسلامي فقط، بل مؤتمن على جميع المؤمنين، من مسلمين ويهود ومسيحيين، باعتبار المغرب أرضا للتسامح الديني والحوار الحضاري.

وإذا كانت إمارة المؤمنين قد قامت تاريخيا بوظائف التحكيم والفصل والمراقبة، فإن هذه الوظائف لم تتقلص في عهد محمد السادس، بل تطورت وتوسعت، لتشمل تحصين المجتمع من التطرف، وصيانة الهوية من الاستلاب، وقيادة الإصلاحات الكبرى التي تمس صلب التوازنات القيمية. ومن ثم، فإن الوظيفة الدينية لأمير المؤمنين لا تقف عند حدود الإشراف الرمزي، بل تنبع من شرعية روحية ودستورية، تضع الملك في قلب معادلة الاستقرار والتجديد.
لقد أثبتت التجربة المغربية، بفضل حكمة جلالة الملك محمد السادس، أن إمارة المؤمنين ليست فقط مؤسسة دينية تقليدية، بل منظومة متكاملة ذات حمولة دستورية، ودور قيادي في زمن التحديات المتصاعدة. وقد ساهمت هذه الإمارة، خلال ستة وعشرين سنة، في جعل المغرب نموذجا فريدا في العالم الإسلامي، يجمع بين المرجعية الدينية والحداثة السياسية، ويصوغ توازنا دقيقا بين الدين والدولة.

واليوم، ومع تزايد الحاجة العالمية إلى نماذج قادرة على بناء السلم والتعايش، يبرز النموذج المغربي في تدبير الشأن الديني كمرجع إقليمي ودولي، بفضل الدور المحوري لمؤسسة إمارة المؤمنين. وهو ما جعل العديد من الدول الإفريقية والأوروبية تنفتح على الخبرة المغربية، وتلتمس من المملكة دعما روحيا وتكوينا علميا لتأطير أئمتها ومجالسها الدينية.

إن ستة وعشرين سنة من إمارة المؤمنين تحت قيادة جلالة الملك محمد السادس ليست فقط سنوات من الاستمرارية، بل سنوات من التحول العميق، والتجديد المتوازن، والقيادة الرشيدة التي جمعت بين الوفاء للماضي والانفتاح على المستقبل. وما يزال الرهان معقودا على هذه المؤسسة لتواصل أداء أدوارها الكبرى، كضامن للوحدة الروحية، وحام للهوية، وفاعل أساسي في تعزيز الاستقرار والتنمية في المغرب وخارجه.







