مسبح الكتبية بعرصة مولاي عبد السلام: معلمة تاريخية افتقدتها المدينة الحمراء

متابعة _ محمد نشوان

تُعد مدينة مراكش من المدن المغربية التي تزخر بإرث عمراني وثقافي غني، يحتفظ في ذاكرته الجماعية بمعالم شكلت جزءاً من حياة الأجيال المتعاقبة. ومن بين هذه المعالم التي لا تزال حاضرة في وجدان سكان المدينة، مسبح الكتبية الواقع سابقاً بعرصة مولاي عبد السلام، والذي كان يعتبر من الفضاءات الترفيهية والرياضية التي وسمت فترةً زمنية من تاريخ مراكش الحديث.

كان مسبح الكتبية، الذي استمد اسمه من موقعه المجاور لصومعة الكتبية الشهيرة، أحد أبرز المرافق الرياضية التي توافد عليها سكان المدينة، كباراً وصغاراً، خاصة خلال فصل الصيف. وقد تميز هذا الفضاء بموقعه الجغرافي الفريد، داخل عرصة مولاي عبد السلام، وسط طبيعة غنّاء وظلال الأشجار، مما جعله يشكل متنفساً حقيقياً للعديد من الأسر المراكشية.

لم يكن المسبح فقط مكاناً للسباحة، بل كان أيضاً فضاءً للّقاءات الاجتماعية، وتنظيم أنشطة ترفيهية وتربوية، ومساحةً لصقل مواهب الشباب وتشجيعهم على الرياضة والانضباط. وارتبط المسبح في الذاكرة المحلية بتجارب الطفولة البريئة، وذكريات الاصطياف التي لم تُمحَ من وجدان أجيال عديدة.

مع مرور الزمن وتغير أولويات التهيئة الحضرية، عرف المسبح إهمالاً تدريجياً، إلى أن طاله الإغلاق النهائي، في غياب رؤية لإعادة تأهيله أو توظيفه في إطار تنموي يتماشى مع خصوصيات الموقع وتاريخه. وقد أثار هذا الوضع أسف العديد من المواطنين، الذين عبّروا غير ما مرة عن حنينهم لهذا المرفق، مستحضرين أهميته الاجتماعية والثقافية.

ولم تكن حالة مسبح الكتبية حالة معزولة، بل تندرج ضمن ظاهرة أوسع، تهم اختفاء أو تحول عدد من الفضاءات العمومية التاريخية بالمدينة، نتيجة التوسع العمراني أو السياسات التنموية التي تغيب أحياناً البعد التراثي والذاكرة الجماعية للمكان.

في ظل هذا الواقع، ترتفع اليوم أصوات فاعلين مدنيين ومهتمين بالتراث المحلي للمطالبة بإعادة الاعتبار لمثل هذه المعالم، إما عبر إعادة إحيائها بمبادرات ترميم وتأهيل، أو على الأقل توثيقها وتخليد ذكراها بوسائل إبداعية وثقافية تليق بقيمتها في النسيج الاجتماعي والتاريخي للمدينة.

إن مسبح الكتبية ليس مجرد مرفق مائي أُغلق، بل هو شاهد على نمط من الحياة الاجتماعية والترفيهية بمراكش، يستحق أن يُروى للأجيال القادمة كجزء من سيرة المدينة التي تعيش على وقع التحول، لكنها لا تنسى ماضيها.

  • Related Posts

    لطيفة رأفت تحيي سهرة أندلسية بالمضيق احتفالا بعيد العرش المجيد

    أحيت الفنانة المغربية لطيفة رأفت، سهرة فنية استثنائية على خشبة مسرح الآلة عائشة بمدينة المضيق، وذلك في إطار الاحتفالات المخلدة لعيد العرش المجيد. وجاءت هذه الأمسية بطابع أندلسي خاص، يعكس عمق…

    المزيد

    زهراء حنصالي.. أنامل ترسم الفكرة وضمير يربّي الذاكرة

    بدر قلاج | مراكش حين تتقاطع ريشة الفنان مع ضمير المربية، تولد شخصيات نادرة تُجسّد جوهر الالتزام الفني والتربوي في آن. من بين هؤلاء، تقف زهراء حنصالي شامخة كجبلٍ يحمل في…

    المزيد

    Leave a Reply

    Your email address will not be published. Required fields are marked *

    قد فاتك

    نشرة إنذارية.. موجة حر من الأحد إلى الثلاثاء بعدد من مناطق المملكة

    نشرة إنذارية.. موجة حر من الأحد إلى الثلاثاء بعدد من مناطق المملكة

    نادية بوهدود تكشف عن آخر تطورات مشروع المحطة الطرقية

    نادية بوهدود تكشف عن آخر تطورات مشروع المحطة الطرقية

    الطالبي العلمي ورئيس البرلمان الفيتنامي يجريان مباحثات ثنائية ويوقعان اتفاقية لتعزيز التعاون البرلماني

    الطالبي العلمي ورئيس البرلمان الفيتنامي يجريان مباحثات ثنائية ويوقعان اتفاقية لتعزيز التعاون البرلماني

    تارودانت..تدشين المركز الصحي القروي من المستوى الثاني بجماعة أحمر الكلالشة بعد تأهيله

    تارودانت..تدشين المركز الصحي القروي من المستوى الثاني بجماعة أحمر الكلالشة بعد تأهيله

    فرنسا تضع مزيدا من القيود والجزائر تهدد باللجوء إلى الأمم المتحدة

    فرنسا تضع مزيدا من القيود والجزائر تهدد باللجوء إلى الأمم المتحدة

    تدشين المنطقة الصناعية “أهل لغلام” بالدار البيضاء لخلق 4000 منصب شغل

    تدشين المنطقة الصناعية “أهل لغلام” بالدار البيضاء لخلق 4000 منصب شغل