في وقت تتعالى فيه شكاوى المواطنين المغاربة من ارتفاع أسعار الخضر الأساسية مثل الطماطم والبطاطس، تكشف المعطيات الرقمية عن مفارقة لافتة في سلوك الاستهلاك، حيث تجاوز عدد مستخدمي تطبيقات توصيل الطعام في المغرب أربعة ملايين ونصف مليون شخص، ما يمثل حوالي اثني عشر في المئة من مجموع السكان.
هذا التحول في العادات الغذائية يعكس تغييرا عميقا في العلاقة مع الطعام، حيث لم يعد إعداد الوجبات في المنازل أولوية لدى شريحة واسعة من المواطنين، بل أصبحت الطلبات الجاهزة عبر الهاتف هي القاعدة الجديدة.
وتشير التوقعات إلى أن عدد المستخدمين مرشح للارتفاع ليبلغ ستة ملايين مستهلك بحلول عام ألفين وثلاثين، وفق تقديرات محمد الغساني، رائد أعمال مغربي يقف وراء مشروع رقمي طموح حصل مؤخرا على تمويل بقيمة مليوني دولار من مستثمرين محليين.
وسط هذا التحول الرقمي اللافت، يُطرح تساؤل حول التناقض الصارخ بين الامتعاض من سعر الكيلوغرام الواحد من الطماطم الذي يصل إلى ثمانية دراهم، وقبول إنفاق ما بين مئة وعشرين ومئة وستين درهما على وجبة سريعة تُطلب عبر تطبيق.
الوجبات التقليدية التي كانت رمزا للحياة الأسرية المغربية، كالكسكس يوم الجمعة والطاجين يوم الأحد، بدأت تفقد حضورها لصالح نمط جديد يقوم على الضغط والانتظار ثم الاستهلاك السريع، في وقت تتراجع فيه الثقافة الجماعية للمائدة لتحل محلها العزلة الرقمية حول صناديق تغليف بلاستيكية.
ورغم النجاح التقني الذي تحققه تطبيقات التوصيل، إلا أن هذا النمو السريع يسلط الضوء على واقع مقلق يتمثل في تراجع العلاقة الإنسانية بالغذاء، وذوبان الطابع الأسري والوجداني للطبخ المغربي أمام موجات الأكل السريع والاستهلاك الفردي.








