بدر قلاج/مراكش
في مساء مراكشي ساحر، شهد مسرح “فاطمة المرنيسي” عرضاً مميزاً لمسرحية “ريحة الليل”، التي قدمتها جمعية محترف ديونيزوس لفنون الأداء. كان هذا العرض الأولى لهذه المسرحية ، وقد أبدع فيه المهدي حلباس من خلال تأليف النص وإخراجه، لتسجل بداية جديدة في مسار المسرح المغربي. العرض جمع بين الجمالية البصرية والأبعاد الفلسفية العميقة، ليأخذ الجمهور في رحلة تعبيرية عن الإنسان وعلاقته بالزمن والذاكرة.

من خلال النص، الذي تنوع بين الرمزية والواقع الاجتماعي، سلط حلباس الضوء على قضايا الإنسان وهمومه الوجودية، محاولاً تجسيد هذه الإشكاليات عبر مواقف وحوارات تلامس أعماق الذات. عمل حلباس على خلق عالم مسرحي يتداخل فيه الحلم مع الواقع، ويعكس معاناة الشخصيات وتطلعاتهم. كانت المسرحية بمثابة تأمل فلسفي في الزمن والوجود، حيث يعكس كل مشهد رغبة الإنسان في إيجاد معنى وسط تناقضات الحياة.

أدى في العرض كل من الممثلين نجيب عبد اللطيف وأبو جمال لحجاب أدواراً متميزة. فقد تمكن عبد اللطيف من تقديم شخصية عميقة تتسم بالتعقيد الفكري، فيما أبدع لحجاب في تجسيد الشخصية بحيوية وصدق. أما المخرج المهدي حلباس، فقد قدم أداءً مميزاً بمشاركته الفعالة، حيث أضاف بُعداً إنسانياً وفنياً في كل لحظة من العرض. وقد ساهمت الإضافة الصوتية للمخرجة السينمائية فاطمة اكلاز في تعزيز التجربة المسرحية، من خلال الصوت الذي كان يرافق الأحداث ويضفي عليها بعداً آخر، يعكس تضاريس النفس البشرية.
أما المكان، فقد كان مسرح “فاطمة المرنيسي” هو الشاهد الأمين على هذا الإبداع، حيث عكس الفضاء المسرحي ما تحتويه المسرحية من معانٍ وأبعاد. كان المسرح، كما هو الحال في العرض، نقطة التقاء بين الزمان والمكان، مرسخاً لذلك التفاعل الخلاق بين الفكر والفن.

الجمهور الذي حضر العرض كان مميزاً، حيث تفاعل بحماس مع كل لحظة من العرض. وكانت الاستجابة من الجمهور دليلاً على أن المسرحية لم تكن مجرد حدث فني، بل كانت تجربة ثقافية عميقة تتيح للجميع الفرصة للتأمل في القضايا الوجودية. “ريحة الليل” لم تكن مجرد عرض مسرحي، بل كانت عرضاً فنيًّا وفلسفيًّا عكست من خلاله جمعية محترف ديونيزوس لفنون الأداء رغبتها في تقديم مسرح ينبض بالمعنى والروح الإنسانية.
ختاماً، كانت “ريحة الليل” عرضًا مسرحيًا استثنائيًا، استطاع أن يجسد الهموم الإنسانية ويعبر عن الأسئلة الوجودية بأسلوب فني ممتع ومعبر. كانت خطوة هامة نحو إغناء المشهد المسرحي المغربي بعمل يتجاوز حدود المسرح التقليدي ليدخل إلى أعماق النفس البشرية ويتعامل مع قضايا الزمن والمكان والذاكرة.







